عن الحسن -رحمه الله- أن عمر -رضي الله عنه- كان يقول:
"اللّهُمّ اجعل عملي صالحًا، واجعله لك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه
شيئًا". {رواه أحمد في "الزهد" (118)}



‏إظهار الرسائل ذات التسميات التآلف والألفة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التآلف والألفة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 19 أغسطس 2016

الفرق بين الأصدقاء والمعارف









 


الفرق بين الأصدقاء والمعارف


 


قال ابن الجوزي :


"رأيت نفسي تأنس بخلطاء تسميهم أصدقاء ، فبحثْتُ التجارب ، فإذا أكثرهم :


1) حُسّاد على النعم .


2) لا يستـرون زلّة .


3) ولا يعرفون لجليس حقا .


4) ولا يواسون من مالهم صديقا .


 


فتأمّلتُ الأمر ؛ فإذا أكثرهم حسّاد على النعم ، فإذا الحق سبحانه يغار على قلب المؤمن أن يجعل به شيئاً يأنس به ؛ فهو يكدر الدنيا وأهلها ليكون أنسه به .


 


فينبغي أنْ تَعُدَّ الخلقَ كلُهم :


1- معارف .


2- ولا تظهر سرك لمخلوق منهم .


3- ولا تعدّن فيهم من لا يصلح لشدة .


 4- بل عاملهم بالظاهر .


5- ولا تخالطهم إلا حالة الضرورة .


6- وبالتَّوَقِّي لحظة .


ثم انفر عنهم ، وأَقبِل على شأنك ، متوكلا على خالقك ، فإنه لا يجلب الخير سواه ، ولا يصرف السوء إلا إيّاه" .



"صيد الخاطر" (ص 448) لابن الجوزي .
ونقله ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (3 / 582) .


 


اختاره /


أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .


 

الأحد، 14 أغسطس 2016

مفهوم قولهم : الْأَقَارِبُ عَقَارِبٌ

 
 
 
مفهوم قولهم : الْأَقَارِبُ عَقَارِبٌ
 
 
 
سُئلتُ عن أثر الإمام ابن المبارك .
 
 
 
قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ :
 
"الْأَقَارِبُ عَقَارِبٌ ، خَيْرُهَا أَبْعَدُهَا ، وَشَرُّهَا أَقْرَبُهَا" .
 
"المنتخب من معجم شيوخ السمعاني" (ص 1753) .
 
 
 
قلتُ : إنْ صح هذا الأثر عن الإمام ابن المبارك ؛ فهو لا يعني التحريض على قطيعة الرحم أبداً ، ولا ينبغي أن يُفهم منه ذلك ، إنما يُخبر عن شيء يُصدِّقه الواقع المرير الذي يقع بين الأقارب من نفرة وأذية .
 
 
ولعلي قرأته لحكيم العرب أكثم بن صيفي التميمي – الذي أدرك زمن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يُسلم ولكنه أمر قومه بالإسلام واتباع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من زمنٍ بعيد جداً ولا أتذكر المرجع الآن .
ثم وجدته لابن صيفي بلفظ :
"تباعدوا في الدّيار تقاربوا في المودّة" .
"عيون الأخبار" (3 /100) وفي طبعة (3 / 88) ، و "العقد الفريد" (2 /176) لابن عبد ربه (ت 328هـ) .
 
 
 
ولا ينافي وصفهم بالعقارب في الأثر - لما يحدث منهم من إيذاء متعمد او غير متعمد أو حسد أو غبطة وغير ذلك ؛ والواقع يصدق ذلك ويكذبه .
 
أقول : لا ينافي ذلك مع أمر الشارع الحكيم بالإحسان إلي الأقارب والأرحام ، والأمر بطيب المعاملة والبر بهم ، وفي الحديث  :
 
 
 
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :
 
"أَنَّ رَجُلاً قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ ؛ وَيَقْطَعُونِي ، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ ؛ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ ؛ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ . فَقَالَ : (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ ؛ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ ، وَلاَ يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) .
 
 
رواه البخاري في "الأدب المفرد (52) ، ومسلم في "صحيحه" (2558) – واللفظ له - ، وابن حبان في "صحيحه" (450) .
 
 
 
(الْمَلَّ) بفتح الميم وتشديد اللام : هو الرماد الحار .
 
 
 
 
ففي الحديث : الاعتراف ضمناً أن الأقارب يسيئون أحياناً .
 
 
ثانياً : لم ينف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  الإساءة من الأقارب حين قال الرجل : " وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ " .
 
 
ثالثاً : فيه التأكيد على الإحسان إليهم مع إساءتهم بثبوت الأجر للواصل .
 
 
 
ثم إني نظرت فيما نظرت في بعض الآثار فوجدت هناك ما يُشير إلى أن الإساءةِ من الأقارب تقع أحياناً ؛ فلذا يُستحسن أن لا يتجاورون كثيراً ولكن تواصلهم مطلوب ، وهو ما رُوي عن عمر بن الخطاب :
 
"الأقارب يَتَزَاوَرُونَ ولا يتجاورون" .

ثم وجدته بلفظ :
عن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :
"أن مر ذوي القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا" .

"الأمثال في الاسلام" (ص 148) لأبي عُبيد (ت 224هـ) ، و "عيون الأخبار" (3 /100) لابن قتيبة (ت 276هـ) .
 
 
 

لأنه من المعروف أنّ تجاور الأقارب يحصل فيه تنافس وتناحر وحسد وتنافر ، ويحصل ذلك بِسَبَب الْإِعْجَاب بالفضائل بين الأخوة وَبني الْأَعْمَام بحسد بَعضهم بَعْضاً ، ويحصل التنافر أيضاً بسبب خصومة الأولاد "الأطفال" بعضهم مع بعض ؛ فترتفع الخصومة إلى ما بين الكبار ؛ وهو مجربٌ ومشاهد على أرض الواقع ، فكم من إخوة تباغضوا وتباعدوا بسبب مشاكل الأولاد ومشاكل النساء بينهن بين .
فحمايةً للقلوب من التنافر ؛ يُنصح بعدم التجاور ، حتى تكون النفوس اشوق عندما تكون الأجساد أبعد عن بعض ، وهذه نظرية وقاعدة .
 
قَال الأَصمَعي : "إن ذوي القَرابَة إذا تراخت ديارهم ؛ كان أحْرَى أن يتحابوا ، وإذا تدانوا ؛ تحاسدوا وتباغضوا" .

"مجمع الأمثال" (2 /68) لأبي الفضل النيسابوري (ت 518هـ) .
 
 
وأنشد بعضهم :
 
أقارب كالعقارب في أذاها ... فلا تُولَع بعمّ أو بخال
 
فكم عمٍّ يجيء الغمّ منه ... وكم خال عن الخيرات خال
 
 
 
 
وقال بعض السلف :
 
"الأقارب عقارب وأمتُّهم بك رَحِماً أشدُّهم بك لَدْغا" .
 
"البصائر والذخائر" (1 /243) لأبي حيان التوحيدي (ت 400هـ) .
 
 
 
قال طرفة بن العبد :
 
وَظُلمُ ذَوِي القربى أشَدُّ مَضاضةً ... على المرءِ مِنْ وَقْعِ الحُسامِ المُهنَّدِ
 
 
 
وقال آخر :
 
ولِلذُّلِّ بين الأقربينَ مَضاضةٌ   ... والذُّلُّ ما بينَ الأباعدِ أرْوَحُ
 
وإذا أتَتْكَ مِن الرجالِ قَوَارِصٌ ... فسِهامُ ذِي القُربى القريبةِ أجْرَحُ
 
 
 
وهناك مثل شعبي عام ، يقول : خلك بعيد حُبّك يزيد .

قلتُ : ويؤيده الحديث :    ( زُرْ غِبَّاً تَزْدَدْ حُبّاً ) .

رواه الطبراني في "الكبير" وغيره (14756) . وحسنه الألباني لغيره في "صحيح الترغيب" (2583) .
 
 والله أعلم .


 
كتبه /
 
أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .
 
السبت 10 / 11 / 1437هـ
 
 

الخميس، 19 مايو 2016

{ الابتعاد عن كل رأي يفرق الجماعة }



{ الابتعاد عن كل رأي يفرق الجماعة }


قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ ) .    "الصحيحة" (224) .


    { قَالَ شيخُنا الألباني (1/ الأول /443-445) } :

    فقه الحديث :
  قال الترمذي عقب الحديث {في "جامعه" (3 / 80)} :
       "وَفَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ ، فَقَالَ : إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا : أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَعِظَمِ النَّاسِ" .

وقال الصنعاني في"سبل السلام" (2 / 72) {الخولي (2 / 489) ، و (2 / 134) ط. عطا} :

       "فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي ثُبُوتِ الْعِيدِ الْمُوَافَقَةُ لِلنَّاسِ ، وَأَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِمَعْرِفَةِ يَوْمِ الْعِيدِ بِالرُّؤْيَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ مُوَافَقَةُ غَيْرِهِ ، وَيَلْزَمُهُ حُكْمُهُمْ فِي الصَّلَاةِ ، وَالْإِفْطَارِ ، وَالْأُضْحِيَّةِ" .

    وذكر معنى هذا ابن القيم رحمه الله في"تهذيب السنن" (3 / 214) ، وقال :
       "وَقِيلَ : فِيهِ الرَّدّ عَلَى مَنْ يَقُولُ : إِنَّ مَنْ عَرَفَ طُلُوع الْقَمَر بِتَقْدِيرِ حِسَاب الْمَنَازِل ؛ جَازَ لَهُ أَنْ يَصُوم وَيُفْطِر ؛ دُون مَنْ يَعْلَم . وَقِيلَ : إِنَّ الشَّاهِد الْوَاحِد إِذَا رَأَى الْهِلَال ، وَلَمْ يَحْكُم الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ : أَنَّهُ لَا يَكُون هَذَا لَهُ صَوْماً , كَمَا لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ" .

    وقال أبو الحسن السندي في"حاشيته على ابن ماجة" {ط. الجيل ، والفكر الثانية (1 / 509)} بعد أن ذكر حديث إبي هريرة عند الترمذي :
       "وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَيْسَ لِلْآحَادِ فِيهَا دَخْلٌ ، وَلَيْسَ لَهُمُ التَّفَرُّدُ فِيهَا ، بَلِ الْأَمْرُ فِيهَا إِلَى الْإِمَامِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَيَجِبُ عَلَى الْآحَادِ اتِّبَاعُهُمْ لِلْإِمَامِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَعَلَى هَذَا ؛ فَإِذَا رَأَى أَحَدٌ الْهِلَالَ ، وَرَدَّ الْإِمَامُ شَهَادَتَهُ ؛ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ فِي حَقِّهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْبَعَ الْجَمَاعَةَ فِي ذَلِكَ" .

    قلت : وهذا المعنى هو المتبادر من الحديث ، ويؤيده احتجاج عائشة به على مسروق حين امتنع من صيام يوم عرفة ؛ خشية أن يكون يوم النحر ، فبينت له أنه لا عبرة برأيه ، وأن عليه اتباع الجماعة ، فقالت :
    "النَّحْرُ يَوْمَ يَنْحَرُ النَّاسُ ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ". {"الكبرى" للبيهقي (4 / 252)}.

       قلت : وهذا هو اللائق بالشريعة السمحة التي من غايتها تجميع الناس وتوحيد صفوفهم ، وإبعادهم عن كل ما يفرِّق جمعهم من الآراء الفرديَّة ، فلا تعتبر الشريعة رأي الفرد - ولو كان صواباً من وجهة نظره - في عبادة جماعية كالصوم والتعييد وصلاة الجماعة ، ألا ترى أن الصحابة y كان يصلي بعضهم وراء بعض وفيهم مَن يرى أن مس المرأة والعضو وخروج الدم من نواقض الوضوء ، ومنهم مَن لا يرى ذلك ، ومنهم من يتمُّ في السفر ، ومنهم من يقصر ؟! فلم يكن اختلافهم هذا وغيره ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإمام الواحد ، والاعتداد بها ، وذلك لعلمهم بأن التفرُّق في الدين شرُّ من الاختلاف في بعض الآراء ، ولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الاعتداد بالرأي المخالف لرأي الإمام الأعظم في المجتمع الأكبر كـ"منى" ، إلى حد ترك العمل برأيه إطلاقاً في ذلك المجتمع ؛ فراراً ممَّا قد ينتج من الشر بسبب العمل برأيه ، فروى أبو داود (1 / 307) {(رقم 1960)} :
"أَنَّ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى بِمِنىً أَرْبَعاً ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مُنْكِراً عَليْهِ : صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْراً مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا . ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ ؛ فَلَوَدِدْتُ أَنَّ لِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ . إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى أَرْبَعاً ! فَقِيلَ لَهُ : عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتَ أَرْبَعاً ؟ قَالَ : الْخِلاَفُ شَرٌّ" . وسنده صحيح .
وروى أحمد (5 / 155) نحو هذا عن أبي ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم أجمعين .

       فليتأمل في هذا الحديث وفي الأثر المذكور أولئك الذين لا يزالون يتفرَّقون في صلواتهم ، ولا يقتدون ببعض أئمة المساجد ، وخاصة في صلاة الوتر في رمضان ، بحجَّة كونهم على خلاف مذهبهم ! وبعض أولئك الذين يدَّعون العلم بالفلك ، ممن يصوم ويفطر وحده ؛ متقدماً أو متأخراً على جماعة المسلمين ؛ معتدّاً برأيه وعلمه ، غير مبال بالخروج عنهم .

فليتأمل هؤلاء جميعاً فيما ذكرناه من العلم ، لعلهم يجدون شفاءً لما في نفوسهم من جهل وغرور ، فيكونون صفاً واحداً مع إخوانهم المسلمين ؛ فإن يد الله على الجماعة . انتهى من "الصحيحة" .

قلتُ :
في عبارة شيخنا الألباني : "فإن يد الله على الجماعة" ؛ جاء الأثر مرفوعاً عن عمر وأسامة بن شريك وسمرة وخباب وابن عمر وعجرفة والخدري وابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ" .

رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (7 / 313) ، ابن أبي عاصم (80، 81) ، والبزار (10 / 436) ، والنسائي "الصغرى" (7 / 92) و"الكبرى"(2 / 292) ، والطبراني "الكبير" (1 / 186 / 489) ، (4 / 81 / 3709) ، (12 / 447 / 13623) ، (17 / 144، 145 / 362، 368) و "الأوسط" (5/122) ، (7/193) ، والحاكم في "المستدرك" (1/115، 116) ، والشهاب في "المسند" (1 / 157 / 239) ، و البيهقي في "الشعب" (7 / 488 / 11085) و"الأسماء والصفات" (2 / 246) ، و"البغوي في "شرح السنة" (1 / 215) . والحديث صححه الحاكم ، والألباني بشواهده في "ظلال الجنة" (81) ، و"صحيح سنن النسائي"  (3753) ، و"صحيح الجامع" (1844، 7921) ط. الأولى 1388هـ "المكتب الاسلامي" .

وجاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ       أَنَّه قَالَ : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ! عَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّهَا حَبْلُ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ ، وَإِنَّ مَا تَكْرَهُونَ فِي الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِمَّا تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ " . وسنده حسن .

رواه الطبري في "التفسير" (3 / 380 / 7577) ط. الكتب العلمية" الأولى 1412هـ و(4 / 32) ط. "الفكر" 1405هـ ، وابن أبي حاتم في "التفسير" (3 / 733) تح. أسعد ، والطبراني "الكبير" (9 / 224 / 8972) ، والآجري في "الشريعة" (ص 23) تح. الفقي و(1 / 123 / 17) تح. الوليد و(1 / 299 / 17) تح. الدميجي ، والحاكم (4 / 555) - وصححه ووافقه الذهبي- ، والللاكائي في"اعتقاد أهل السنة" (1 / 108 / 159) ، وأبو نُعيم في "الحلية" (9 / 249) ، و"البغوي في "شرح السنة" (10 / 54) .

وهنا أثر عزيز وقفت عليه وإن كان يحكي حكماً فقهياً ، ولكن الملفت فيه هو قول عبيدة السلماني في الحديث وهو الشاهد هنا في مسألة الجماعة وعدم الفرقة .

فعَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالُ : "سَمِعْتُ عَلِيّاً يَقُولُ : "اجْتَمَعَ رَأْيِّي وَرَأْيُ عُمَرَ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَنْ لَا يَبِعْنَ" ، قَالَ : "ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْدُ أَنْ يَبِعْنَ" .
قَالَ عُبَيْدَةُ : فَقُلْتُ لَهُ : فَرَأْيُكَ وَرَأْيُ عُمَرَ فِي الُجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ فِي الْفِرْقَةِ ، قَالَ : فَضَحِكَ عَلِيٌّ" .

أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (11 / 291 / 13224) ، وابن شبة في "أخبار المدينة" (1 / 386) ط. "الكتب العلمية" 1417هـ تح. دندل و بيان .

قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (4/219) و"الدراية تخريج الهداية" (2/88) : "وهَذَا الإِسْنَادُ مَعدُودٌ في أصَحِّ الأَسَانِيدِ" ، ووافقه الألباني بنقله والاستشهاد به في "الصحيحة" (5/543) ، وأخرجه البيهقي في "الكبرى" (10 / 343) ، وابن أبي شيبة (6 / 436 / 1631) ط. الهند و(4 / 409 / 21590) تح. الحوت.

والشاهد منه : قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : قُلْتُ لِعَبِيدَةَ : مَا تَرَى ؟ قَالَ : "رَأْيُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ حِينَ أَدْرَكَ الْخِلَافَ" .
فهذا السَّلْمَانيِّ رأى رَأْيُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ فِي الْجَمَاعَةِ خير من قول عليٍّ لوحدة ، وأقرّه عليٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بضحكه . فيا ليتنا نتعلم منهم العمل !


انتقاه وقيّده /
أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .

6 / 1 / 1426هـ

الثلاثاء، 17 مايو 2016

{ الخلافُ شرٌّ ونقمة }



{ الخلافُ شرٌّ ونقمة }

قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَدِ اخْتَلَفْتُمْ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ، فَأَنْتُمْ بَعْدِي أَشَدُّ اخْتِلَافاً ) . 

            "الصحيحة" (3256) .

 { مناسبة الحديث } :
عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ أَنَّهُ سَمِعَ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَّأَ لِابْنِ صَائِدٍ دُخَاناً ، فَسَأَلَهُ عَمَّا خَبَّأَ لَهُ ؟ فَقَالَ : دُخْ . فَقَالَ :
(اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ) . فَلَمَّا وَلَّى ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(مَا قَالَ ؟) .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : دُخْ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ قَالَ : زُخْ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : . . . (فَذَكَرَهُ)" .


{ قَالَ شيخُنا الألباني (7 / الثاني /772- 773) } :

واعلم أن أحاديث ابن صياد وسؤال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إياه عن ( الدخان ) وعجزه عن الجواب كثيرة ، وبعضها في "الصحيح" و "السنن" ، فانظر : "المشكاة" (5494) ، و "صحيح سنن أبي داود" (الملاحم) ، وليس هذا فيها ، وإنما خرجته هنا لأمرين :

       الأول : لما فيه من الزيادة عليها من سؤاله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه عما قال ابن صياد ، ورده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليهم بقوله : (قَدِ اخْتَلَفْتُمْ . . .) .

       والآخر : أنني أردت أن أُذَكِّرَ به أولئك الغافلين الذين يَنْسبون إلى الدين ما ليس منه ، فيقولون : إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : "اختلاف أمتي رحمة" أو : "اختلاف أصحابي لكم رحمة" ، وغير ذلك مما بينت وضعه في محله ، ولهذا فهم يقرون الاختلاف الشديد بين المذاهب ويتخذونه ديناً ، خلافاً للكتاب والسنة كما بينه العلماء - رحمهم الله تعالى - ، ويغلو بعض أولئك فيزعم أن لكل قول من تلك الأقوال المتناقضة دليلاً من السنة ؛ كخروج الدم مثلاً ، فيتخيلون أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل مرة عنه ، فأجاب بأنه ينقص الوضوء ، وسئل مرة أخرى ؛ فأجاب بأنه لا ينقض ! ونحو ذلك من التخيلات التي لا أصل لها في السنة ، وينشدون بهذه المناسبـة قول ( بُوصيريِّهم ) في مدح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
              وكُلُّهم من رسول الله مُلْتمِس            . . . . . . . . . . .
    وغير ذلك من الأقوال التي لم يقلها عالم من قبل .

       فلعل في أولئك الغافلين من يتنبه من غفلته ، ويعود إلى رشده حين يرون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرضى من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم - اختلافهم في تحديد ما قال ابن صياد ؛ هل هو ( الدُّخ ) أو ( الزخ )؟ مع أن مثل هذا الاختلاف ليس له علاقة بالدين مطلقاً كما هو ظاهر ، لعلهم حين ينتبهون لهذا يتبين لهم أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرضى منهم الاختلاف في الدين ولا يقره من باب أولى .

       فالحق أن الخلاف - وهو الذي يسميه ابن تيمية - رحمه الله - اختلاف تضاد - إنما هو نقمة وليس برحمة .
       وحسب المسلم البصير في دينه أن يعتذر عن المختلفين بعذر معقول ، ويعتقد بأنهم جميعاً مأجورون على التفصيل الوارد في الحديث .

أما أن يقر الاختلاف نفسه ويدافع عنه ، بدعوى الدفاع عن الأئمة ، كما يعلن ذلك بعضهم في بعض الإذاعات الإسلامية ؛ فذلك من التدليس على الناس ، والخلط بين الحق والباطل . نسأل الله السلامة في ديننا وعقولنا .

انتقاه وقيّده /
أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .

6 / 1 / 1426هـ