عن الحسن -رحمه الله- أن عمر -رضي الله عنه- كان يقول:
"اللّهُمّ اجعل عملي صالحًا، واجعله لك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه
شيئًا". {رواه أحمد في "الزهد" (118)}



الجمعة، 23 ديسمبر 2016

رجل أمريكي يقص قصته لي ؛ وكانت سبب إسلامه ، وفيها كذبة شخصية "سانت كلوز" في "الكريسمس" .



رجل أمريكي يقص قصته لي ؛ وكانت سبب إسلامه ، وفيها كذبة شخصية "سانت كلوز" في "الكريسمس" .

 
التقيت بشاب أمريكي الجنسية لم يبلغ الثلاثين من عمره أو بلغها في مدينة الخبر بالمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية عام 1404هـ - وكنت حينها أسكن هناك - ، وكان سبب اللقاء ، أنّ دورة في "الاسعافات الأولية" الإرشادية التثقيفية تقام في إحدى الهيئات ؛ فشاركت فيها للاستفادة ، فالتقيت بهذا الرجل الأمريكي وهو الذي يحاضر لنا في الاسعافات الأولية .

وكنت معجب بهيئته وأسلوبه المميز عن الأمريكان ؛ يعني شيء في نفسي يقول هذا الرجل عنده خلفية عن الإسلام وذلك استنتاجاً من اسلوبه وعباراته وطريقته في الكلام ، فكان يُكثر من قول : "الحمد لله" و "إن شاء الله" بالعربي طبعاً .

فكنت استغل فرص الاستراحة ما بين الحصتين للمحاضرات ، وأجلس معه وأناقشه وأسأله عن حياته وماذا يعرف عن الإسلام ونحو ذلك ، وللأسف كان الوقت ضيقاً ؛ ولكني علمت منه حبه للإسلام ورغبته القوية في اعتناقه ، فتكلمت معه عن محاسن الإسلام بما فتح الله عليّ .

وبعد مرور أيام كانت العلاقة بيننا قويت ، فدعوته للضيافة فاستجاب ، وأنزلته عندي وبات عندي في البيت ، ثم سألته عن سبب رغبته في اعتناق الإسلام ، فقال بنبرة فيها  كراهية للنصرانية التي كان عليها : لا تقول : رغبتي في اعتناق الاسلام ؛ بل أنا اعتبر نفسي مسلما ولكني لم ابدأ فعليا في النشاط الإسلامي – هذا حد تعبيره – ؛ يعني أنه لم ينطق بالشاهدتين بعد .

فذكر لي سبب دخوله الإسلام كما يحلو له التعبير ، فقال :

عندما كنت طفلاً صغيراً كبقية الأطفال ، وليلة 25 ديسنمبر يزين الوالدين البيت بالأنوار والزخارف والشموع ومجسم ما يُدعى : "سانت كلوز" ذاك الرجل صاحب اللحية الكثة البيضاء واللباس الأحمر ، فننام تلك الليلة ، ونصحا الصباح فنجد الحلوى بأنواع وأشكال وبعض النقود تحت المخدة التي أنام عليها ، وهذا يحدث مع جميع الأطفال في بيوتهم .

فيأتي الأب والأم ؛ فيسألوني : أتعرف من أتى بهذا ؟

فأقول – بالبراءة الطفولية - : لا .

فيقولان : هذا "سانت كلوز" أتى بها من عند الرب "جيسس" يعنون "عيسى عليه السلام" ؛ اشكر عيسى ، فيقول : ونشكر "جيسس" .

وتتالت السنون وتتابعت ، وعندما كبرت في السادسة عشر من عمري تقريباً أو قبلها ، أصبحت أفكر بتفكير الغلام الناضج ، وأتساءل لماذا لا اكتشف أنا بنفسي متى يأتي "سانت كلوز" ويضع كل هذه الخيرات وأقابله بنفسي .

يقول : ثم كانت تلك السنة وتلك ليلة 25 ديسنمبر كنت في فراشي كالعادة ولكني لم أنم وكنت أتناوم ؛ كي ارى "سانت كلوز" .

فإذا المفاجأة التي صدمتني ، ولكنها أحيت قلبي .

رأيت أمي وأبي من يأتي ويضع الحلوى والنقود تحت مخدتي وخرجا من الغرفة ، ولكني كنت مجهزاً أمراً لـ "سانت كلوز" من قبل ، وهو الكمرا الخاصة بي – طبعاً الأمريكان عموماً مولعين بحمل الكمرات في كل مكان – في طرف السرير مخفية ، فأخذتها بسرعة وتمكنت من تصوير أمي وأبي قبل مغادرتها باب الغرفة .

فلاحظا "الفلاش" ورجعا ، فذُهلا ، وهددوني أن لا أخبر أحداً عن فعلتهما ، وأن أُبقي ذلك سراً ، وأن أستمر على اعتقاد أن الذي أتى بهذا "سانت كلوز" .

فمنها فكرت كثيرا وبحثت عن الحقيقة ، حتى اهتديت للإسلام . انتهى .

 

اسأل الله العظيم أن يكون قد حسُن إسلامه وأن يموت عليه .

 

كتبته - للعبرة - بنفسي من الذّاكرة نقلا عن صاحب القصة الأمريكي لي/

أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .

22 / 3 / 1438هـ

الموافق 21 – 12 – 2016م.

الأربعاء، 14 ديسمبر 2016

اعتبروا يا دعاة الفتنة ، وتهييج الرعية للخروج على الراعي في هذه الرسالة من إمام مِن أئمة الهدى :




اعتبروا يا دعاة الفتنة ، وتهييج الرعية للخروج على الراعي في هذه الرسالة مِن إمام مِن أئمة الهدى :

 

من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم الشيخ عبد العزيز بن .... المحترم ... سلمه الله .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد :.......

بلغني أن موقفك مع الإمارة ليس كما ينبغي ، وتدري بارك الله فيك أن الإمارة ما قصد بها نفع الرعية ، وليس من شروطها أن لا يقع منها زلل ، والعاقل بل وغير العاقل يعرف أن منافعها وخيرها الديني والدنيوي يربو على مفاسدها بكثير . ومثلك إنما منصبه منصب وعظ وارشاد ، وإفتاء بين المتخاصمين ، ونصيحة الأمير والمأمور بالسر وبنية خالصة تعرف فيها النتيجة النافعة للإسلام والمسلمين .

ولا ينبغي أن تكون عثرة الأمير أو العثرات نصب عينيك والقاضية على فكرك والحاكمة على تصرفاتك ؛ بل في قم السر بواجب النصيحة ، وفي العلانية أظهر وصرح بما أوجب الله من حق الإمارة والسمع والطاعة لها ؛ وأنها لم تأت لجباية أموال وظلم دماء وأعراض من المسلمين ، ولم تفعل ذلك أصلاً ؛ إلا أنها غير معصومة فقط ؛ فأنت كن وإياها آخرين :
أحدهما : مبين واعظ ناصح .
والآخر : باذل ما يجب عليه كاف عن ما ليس له .

إن أحسن دعا له بالخير ونشط عليه ، وإن قصر عومل بما أسلفت لك ، ولا يظهر عليك عند الرعية ولا سيما المتظلمين بالباطل عتبك على الأمير وانتقادك إياه ؛ لأن ذلك غير نافع الرعية بشيء ، وغير ما تعبدت به، إنما تعبدت بما قدمت لك ونحوه ، وأن تكون جامع شمل ، لا مشتت ، مؤلف لا منفر .

واذكر وصية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمعاذ وأبي موسى : " يسر ولا تعسر، وبشروا ولا تنفروا، وتطاوعا ولا تختلفا " أو كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وأنا لم أكتب لك ذلك لغرض سوي النصيحة لك ، وللأمير ، ولكافة الجماعة ، ولإمام المسلمين .

والله ولي التوفيق . والسلام عليكم..............

(ص/ م 54 في  20 / 8 / 1375هـ)

 

"فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم" (12 /182-183/ رقم 3892) لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (ت 1389هـ) مفتي المملكة ورئيس القضاة والشؤون الإسلامية ، جمع وترتيب وتحقيق : محمد بن عبد الرحمن بن قاسم ، الطبعة: الأولى 1399هـ ، الناشر : مطبعة الحكومة بمكة المكرمة .

 

نقله /

أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .

الاثنين، 12 ديسمبر 2016

وصايا ونصائح للعروس .





وصايا ونصائح للعروس .


 


الأولى : وصية أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري لابنته .


أوصى أسماء بن  خارجة الفزاري ابنته عند زفافها لزوجها ، فقال : يا بنية ! قد كانت والدتك أحق بتأديبك مني أنْ لو كانت باقية ، أمّا الآن ؛ فانا أحق بتأديبك من غيري ؛ فافهمي ما أقول :     


"إِنَّكِ خَرَجْتِ مِنَ الْعُشِّ الَّذِي فِيهِ دَرَجْتِ ، فَصِرْتِ إِلَى فِرَاشٍ لاَ تَعْرِفِينَهُ ، وَقَرِينٍ لاَ تَأْلَفِينَهُ ، فَكُونِي لَهُ أَرْضاً مطيعة أو ذليلة منقادة هينة ؛ يَكُنْ لَكِ سَمَاءً يظل عليك برأفته ورفعته ، أو يمطر عليك بإحسانه  ونعمة .


وَكُونِي لَهُ مِهَاداً ؛ يَكُنْ لَكِ عِمَاداً تستندين إليه .


وَكُونِي لَهُ أَمَةً ؛ يَكُنْ لَكِ عَبْداً .


ولاَ تُلْحِفِي عليه في شيء ؛ فَيَقْلَاكِ ، وَلَا تَبَاعَدِي عَنْهُ – أي : لا تمانعيه في الفراش - ؛  فَيَنْسَاكِ ، فإن من بَعُدَ عن العين ؛ بعد عن القلب .


إِنْ دَنَا مِنْكِ ؛ فادني مِنْه بالمداعبة والانبساط ، وَإِنْ نَأَى عنك بقبض وهيبة ؛ فَابْعُدِي عَنْهُ .


وَاحْفَظِي أَنْفَهُ وَسَمْعَهُ وَعَيْنَهُ ، فَلاَ يَشُمَّنَّ مِنْكِ إِلاَّ طَيِّباً ، وَلَا يَسْمَعُ إِلاَّ حُسْناً ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلاَّ جَمِيلاً زيناً  - يعنى : حسن الهيئة والتجمل-" .


"قوت القلوب في معاملة المحبوب" (2 /421) لمحمد بن علي بن عطية الحارثي أبو طالب المكي (ت 386هـ) .


 


الوصية الثانية : وصيةُ أُمَامَةُ بِنْتُ الحَارِث لابنتها حين زفت إلى زوجها :


أوصت المرأة العربية الحكيمة العاقلة ؛ أُمَامَةُ بِنْتُ الحَارِث ابنتها حين زفت إلى زوجها ، فقالت:


أَيْ بُنَيَّة ! إِنَّ الوَصِيَّة لَوْ تُرِكَتْ لِفَضْلِ أَدَبٍ ، أو لتقدم حسب، لزويْتُ ذَلِكَ مِنْكِ ، ولأبعدته عَنْكِ ، وَلكِنَّهَا تَذْكِرَةٌ لِلغَافِل، وَزَادٌ لِلْعَاقِل .


أَيْ بُنَيَّة ! وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً اسْتَغنَتْ عَنِ زَّوْجِ لِغِنى أَبَوَيْهَا ، وَشِدَّةِ حَاجَتِهِمَا إِلَيْهَا ؛ كنْتُ أَغْنى النَّاسِ عَنه ، وَلَكِنَّ النِّسَاءَ لِلرِّجَالِ خُلِقْن، وَلَهُنَّ خُلِقَ الرِّجَال .


أَيْ بُنَيَّة ! إِنَّكِ فَارَقْتِ الحمى الَّذِي مِنهُ خَرَجْتِ ، وخلَّفت العُشَّ الَّذِي فِيهِ دَرَجْتِ؛ إِلى وَكْرٍ لَمْ تَعْرِفِيه، وَقَرِينٍ لَمْ تَأْلَفِيه ، فأصبح بملكه عليك مليكاً ، فَكُوني لَهُ أَمَةً ؛ يَكُنْ لَك عَبْدَاً وشيكاً .


أَيْ بُنَيَّة ! احْفَظِي له عَنيِّ خصالاً عشراً ، تكن لك ذخراً :


أما الأولى والثانية : الصُّحْبَةُ بِالْقَنَاعَة ، والمعاشرة بِحُسْنِ السَّمْعِ لَهُ وَالطَّاعَة ، فإن في القناعة راحة القلب ، وفي حسن المعاشرة مرضاة للرب .


وأما الثالثة والرابعة : فالتَعَهُّدُ لِمَوْقِعِ عَيْنِيه ، وَالتَّفَقُّدِ لمَوْضِعِ أَنْفِه ، فَلاَ تَقَعْ عَيْنُاهُ مِنْكِ عَلَى قَبِيح ، وَلاَ يَشُمَّ مِنْكِ إِلاَّ أَطْيَبَ رِيح ، وَالكُحْلُ أَحْسَنُ الحُسْن ، وَالمَاءُ أَطْيَبُ الطِّيبِ المَفْقُود .


وأما الخامسة والسادسة : فَالتَّعَاهُّدُ لِوَقْتِ طَعَامِه ، وَالهُدُوءُ عِنْدَ مَنَامِه ؛ فَإِنَّ حَرَارَةَ الجُوعِ مَلْهَبَة ، وَتَنغِيصُ النَّوْمِ مَغْضَبَة .


أما السابعة والثامنة : فَالحِفَاظُ عَلَى بَيْتِهِ وَمَالِه ، والإرعَاءُ على نفسه وحشمه وَعِيَالِه ، وملاك الأمر في المَالِ حُسْنُ تَقْدِير ، والإرعَاءُ حُسْنُ تَدْبِير .


وأما التاسعة والعاشرة : وَلاَ تُفْشِي لَهُ سِرّاً ، وَلاَ تَعْصِي لَهُ أَمْرَاً ؛ فَإِنَّكِ إِن أَفْشَيْتِ سِرَّه ؛ لَمْ تَأْمَني غَدْرَه ، وَإِن عَصَيْتِ أَمْرَه ؛ أَوْغَرْتِ صَدْرَه ، وَاتَّقِي مع ذَلِكَ الفَرَحَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِنْ كَانَ تَرِحَاً ، وَالاَكْتِئَابَ عِنْدَهُ إِنْ كَانَ فَرِحَاً ؛ فَإِنَّ الأُولى مِنَ التَقْصِير ، وَالثَّانِيَةُ مِنَ التَّكدِير ، وَكوني أَشَدَّ مَا تَكُونِينَ لَهُ إِعْظَامَاً ؛ يَكُن أَشَدَّ مَا يَكُونُ لَكِ إِكْرَامَاً ، وأشد ما تكونين له موافقة ؛ أطول ما يكون لك مرافقة .


وَاعْلَمِي بُنَيَّة ! أَنَّكِ لاَ تَصِلِينَ إِلى مَا تحِبِّيَن ؛ حَتىَّ تُؤثِرِي رِضَاهُ عَلَى رِضَاكِ، وَتُقدِّمي هَوَاهُ عَلَى هَوَاك فيما أحببت أو كرهت ، والله يضع لك الخير وأستودعك الله" .


"الفاخر" (ص 186) للمفضل أبو طالب (ت 290هـ) ، و "مجمع الأمثال" (2 /262) لأبي الفضل النيسابوري (ت 518هـ) ، و "المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها" (ص 82) للباجوري (ت 1364هـ) .


 


الوصية الثالثة : وصيةُ عبدُ اللهِ بْنُ جعفرِ لابنته .


قَالَ عبدُ اللهِ بْنُ جعفرِ بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم :


"يَا بُنَيَّةِ ! إِيَّاكِ وَالْغَيْرَةَ ؛ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ الطَّلاقِ .


وَإِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الْمُعَاتَبَةِ ؛ فَإِنَّهَا تُورِثُ الضَّغِينَةَ .


وَعَلَيْكِ بِالزِّينَةِ وَالطِّيبِ ، وَاعْلَمِي أَنَّ أَزْيَنُ الزِّينَةِ الْكُحْلَ ، وَأَطْيَبُ الطِّيبِ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ" .


 


ويُقال إنها لأَبي الْأسود الدُّؤَلِيُّ لابنته لما زَوجهَا – ؛ فإن كانت له ، فإنه قال في ختامها :


"وكوني كَمَا قلتُ لأمك :


خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَديمي مَوَدَّتي ... وَلاَ تَنْطقِي فِي سَوْرَتي حِيْنَ اغْضَبُ


فَإِنِّي رَأَيْتُ الْحُبَّ فِي الصَّدْرِ وَالْأَذَى ... إِذَا اجْتَمَعَا لَمْ يَلْبَثِ الْحُبُّ يَذْهَبُ


 


"البيان والتبيين" (2 /62) ، و "المحاسن والأضداد" (ص 267) كلاهم للجاحظ (ت 255هـ) ، و "عيون الأخبار" (4 /76) لابن قتيبة الدينوري (ت 276هـ) ، و "أنساب الأشراف" (2 /50) للبَلَاذُري (ت 279هـ) ، و "نثر الدر في المحاضرات" (1 /294) لأبي سعد الآبى (ت 421هـ) ، و "الوافي بالوفيات" (16 /307) للصفدي (ت 764هـ) .


 


الوصية الرابعة : وصية الإمام مالك رَحِمَهُ اللَّهُ لابنته .


قال عبد الملك بن حبيب : بلغني أن مالكاً - رحمه الله - خيّر ابنته في نفسها أن تنكح من أحبت ، فاختارت فتى من أبناء الملوك قد رفض الدنيا وأخذ في الزهادة . فلما كان انتقالها إليه اجتمع إليها أخوات ثلاث وحاضنة لها ، فابتدرت الحاضنة وصيتها ، فقالت :


"أي بنيتي ! من لم يعط من نور نظره ما يتبين له به رشده ويعرف ما يؤذيه فيجتنبه ؛ كان كآكل السموم وهو لا يدري !


أي بنية ! النساء بخمس خصال لا غنى لهن عن واحدة منهن بينهن وبين الأزواج :


1- المحبة بالغيب ؛ فإن القلوب شاهدة .


2- وحسن الطاعة ؛ فإنها تثبت المودة .


3- والاقتصاد ؛ فإنه يُؤَمِّن من الملامة ، ويستبقي حسن المودة .


4- والطهارة ؛ فإنها تستهيل الهوى .


5- والعفاف ؛ فإنه يدعو إلى الخير .


فخذي حظك من عقلك ، وانتفعي بنصيحتي" .


 


ثم قالت إحدى أخواتها :


"يا أخيتي ! إنك كنت مالكة ؛ فصرت مملوكة !


وكنت آمرة ؛ فصرت مأمورة !


وكنت مختارة ؛ فصرت مختاراً عليك !


وإنه لا جمال للمرأة إلا بزوجها ؛ كما أنه لا جمال للشجرة إلا بأغصانها  فلا تعاصي زوجك ؛ فتلحيه !


ولا تسلسي كل السلس ؛ فتمليه !


وتوقي بوادر ضجره ، واستبيني طرفاً من دعنه ، ولا تجعلي هزلك في ما يغضب في جده ، وقفي في نفسك على حدود أمره !


وليكن رأس طيبك الماء ، ورأس وسيلتك إليه الطاعة ، ورأس آلتك العفاف ، ولا تغيريه بسببه ، ولا تمني عليه بحسنة ! وكوني له أمة يكن لك عبداً !" .


"أدب النساء الموسوم بكتاب العناية والنهاية" (ص 164-165) لعبد الملك بن حَبِيب السلمي الإلبيري القرطبي (ت 238هـ) .


 


انتقاه ونقله /


أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .


21 / 4 / 1421ه .


 

السبت، 3 ديسمبر 2016

نشأة بدعة الاحتفال بالمولد النبوي





نشأة بدعة الاحتفال بالمولد النبوي


 


بسم الله الرحمن الرحيم


إن من استعرض السيرة النبوية وتاريخ الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين وتابعيهم وتابع تابعيهم إلى نهاية المائة الثالثة من الهجرية ؛ لم يجد أحدا من العلماء تكلم في المولد النبوي أو ذكره في مصنفه ؛ لأنه لم تكن قد أُحدثت هذه البدعة ؛ لا من الحكام ولا حتى من عامة الناس .


وأول من ابتدع بدعة المولد بنو عبيد "العبيديون" ويسمون الفاطميون في مصر، ذكر تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في كتابة "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" (1 / 490) فقال :


"ذِكْرُ الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعياداً ومواسم تتسع بها أحوال الرعية وتكثر نعمهم".


وقال :


"وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم وهي مواسم "رأس السنة" ، ومواسم "أول العام" ، "ويوم عاشوراء" ، "ومولد النبي صلى الله عليه وسلم" ، "ومولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه" ، "ومولد الحسن والحسين عليهما السلام" ، "ومولد فاطمة الزهراء عليها السلام" ، "ومولد الخليفة الحاضر" ، "وليلة أول رجب" ، "ليلة نصفه" ، "وموسم ليلة رمضان" ، "وغرة رمضان" ، "وسماط رمضان" ، "وليلة الختم" ، "وموسم عيد الفطر" ، "وموسم عيد النحر" ، "وعيد الغدير" ، "وكسوة الشتاء" ، "وكسوة الصيف" ، "وموسم فتح الخليج" ، "ويوم النوروز" ، "ويوم الغطاس" ، "ويوم الميلاد" ، "وخميس العدس" ، وأيام الركوبات" . انهى .


 


قال الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي مفتي الديار المصرية سابقاً في كتابة "أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام" (44-45) :


"مما حدث وكثر السؤال عنه الموالد فنقول : إن أول من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميون ، وأولهم المعز لدين الله توجه من المغرب إلى مصر في شوال سنة (361هـ) ، فوصل إلى ثغر الإسكندرية في شعبان سنة (362هـ) ودخل القاهرة لسبع خلون من شهر رمضان فابتدعوا ستة موالد : النبوي ، ومولد أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب..." .


نقلاً عن "القول الفصل" (2 / 457-458) لإسماعيل الأنصاري .


 


وبنو عبيد تلقبوا بالفاطميين ؛ يريدون أن يلتصقوا بهذا النسب الشريف ؛ وهم إلى أرذل الأنساب يرجعون .




قال الإمام المؤرخ أبو شامة صاحب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين" (ص / 200-202) عن العبيديين :


"أظهروا للناس أنهم شرفاء فاطميون ، فملكوا البلاد ، وقهروا العباد ، وقد ذكر جماعة من أكابر العلماء : أنهم لم يكونوا لذلك أهلاً ، ولا نسبهم صحيحاً بل المعروف أنهم "بنو عبيد" ؛ وكان والد عبيد هذا من نسل القداح الملحد المجوسي . وقيل : كان والد عبيد هذا يهوديا من أهل سلمية من بلاد الشام وكان حدَّاداً .


وعبيد هذا كان اسمه "سعيداً" ، فلما دخل المغرب تسمى بـ"عبيد الله" وزعم أنه علوي فاطمي ، وادعى نسباً ليس بصحيح - لم يذكره أحد من مصنفي الأنساب العلوية بل ذكر جماعة من العلماء بالنسب ؛ خلافه - ، ثم ترقت به الحال إلى أنْ مَلَكَ وتسمى بـ"المهدي" ؛ وبني المهدية بالمغرب ؛ ونسبت إليه وكان زنديقاً خبيثاً عدواً للإسلام متظاهراً بالتشيع متستراً به حريصاً على إزالة الملة الإسلامية ، قتل من الفقهاء والمحدثين جماعة كثيرة ، وكان قصده إعدامهم من الوجود لتبقى العالم كالبهائم فيتمكن من إفساد عقائدهم وضلالتهم ، والله متم نوره ولو كره الكافرون .


ونشأت ذريته على ذلك منطوين ، يجهرون به إذا أمكنتهم الفرصة وإلا أسروه ، والدعاة لهم منبثون في البلاد يضلون من أمكنهم إضلاله من العباد ، وبقي هذا البلاء على الإسلام من أول دولتهم إلى آخرها ، وذلك من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين (299) إلى سنة سبع وستين وخمسمائة (567) ، وفي أيامهم كثرة الرافضة واستحكم أمرهم ...... وكانوا أربعة عشر مستخلفاً ؛ يدّعون الشرف ؛ ونسبتهم إلى مجوسي أو يهودي ، حتى اشتهر لهم ذلك بين العوام ، فصاروا يقولون : الدولة الفاطمية والدولة العلوية وإنما هي "الدولة المجوسية أو اليهودية الباطنية الملحدة" .


ومن قباحتهم انهم كانوا يأمرون الخطباء بذلك "أي : أنهم علويون فاطميون" على المنابر ، ويكتبونه على جدران المساجد ، وغيرها .


وخطب عبدهم جوهر الذي أخذ لهم الديار المصرية وبنى لهم القاهرة "المعزية" بنفسه خطبة قال فيها : اللهم صلي على عبدك ووليك ثمرة النبوة وسليل العترة الهادية المهدية معد أبي تميم الإمام المعز لدين الله أمير المؤمنين كما صليت على آبائه الطاهرين وسلفه المنتخبين الأئمة الراشدين" .


كذب عدوّ الله اللعين فلا خير فيه ولا في سلفه أجمعين ولا في ذريته الباقين ، والعترة النبوية الطاهرة منهم بمعزل رحمة الله عليهم وعلى أمثالهم من الصدر الأول .


والملقب بالمهدي لعنه الله ؛ كان يتخذ الجهال ويسلطهم على أهل الفضل ، وكان يرسل إلى الفقهاء والعلماء ؛ فيُذبحون في فرشهم ، وأرسل إلى الروم وسلطهم على المسلمين ، وأكثر من الجور واستصفاء الأموال وقتل الرجال ، وكان له دعاة يضلون الناس على قدر طبقاتهم فيقولون لبعضهم : "هو المهدي ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجة الله على خلقه" ، ويقولون لآخرين : "هو رسول الله وحجة الله" ، ويقولون لآخرين : "هو الله الخالق الرازق" .


لا اله إلا الله وحده لا شريك له تبارك سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً .


ولما هلك قام ابنه المسمى بالقائم مقامه ، وزاد شره على شر أبيه أضعافاً مضاعفة وجاهر بشتم الأنبياء ، فكان ينادى في أسواق المهدية وغيرها "العنوا عائشة وبعلها العنوا الغار وما حوى" .


اللهم صلي على نبيك وأصحابه وأزواجه الطاهرين ، وألعن هؤلاء الكفرة الفجرة الملحدين ، وارحم من ازالهم وكان سبب قلعهم ، ومن جرى على يديه تفريق جمعهم ، وأصلهم سعيراً ولقهم ثبوراً وأسكنهم النار جمعاً واجعلهم ممن قلت فيهم : { الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}" .


"الطعن من أئمة بغداد وعلمائهم في نسب الفاطميين (ملوك مصر) .


وفي ربيع الآخر منها كتب هؤلاء ببغداد محاضر تتضمن الطعن والقدح في نسب الفاطميين ؛ وهم ملوك مصر وليسوا كذلك ، وإنما نسبهم إلى عبيد بن سعد الجرمي ، وكتب في ذلك جماعة من العلماء والقضاة والأشراف والعدول والصالحين والفقهاء والمحدثين وشهدوا جميعاً :


أن الحاكم بمصر ؛ هو منصور بن نزار الملقب بالحاكم حكم الله عليه بالبوار والخزي والدمار ابن معد بن إسماعيل بن عبدالله بن سعيد لا أسعده الله فإنه لما صار إلى بلاد المغرب تسمى بعبيد الله ، وتلقب بالمهدي وأن من تقدم من سلفه أدعياء خوارج لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب ولا يتعلقون بسببٍ ، وأنه منزه عن باطلهم ، وأن الذي ادعوه إليه باطل وزور وأنهم لا يعلمون أحداً من أهل بيوتات .


وأن هذا الحاكم بمصر هو وسلفه : كفار ، فساق ، فجار ، ملحدون ، زنادقة ، معطلون ، وللإسلام جاحدون ، ولمذهب المجوسية والوثنوية معتقدون ، قد عطلوا الحدود ، وأباحوا الفروج ، وأحلوا الخمر ، وسفكوا الدماء ، وسبّوا الأنبياء ، ولعنوا السلف ، وادعوا الربوبية".


"البداية والنهاية" (11 / 245-246) .


 


قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :


"وَأَمَّا اتِّخَاذُ مَوْسِمٍ غَيْرِ الْمَوَاسِمِ الشَّرْعِيَّةِ كَبَعْضِ لَيَالِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ الَّتِي يُقَالُ : إنَّهَا لَيْلَةُ الْمَوْلِدِ ، أَوْ بَعْضِ لَيَالِيِ رَجَبٍ ، أَوْ ثَامِنَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ ، أَوْ أَوَّلِ جُمْعَةٍ مِنْ رَجَبٍ ، أَوْ ثَامِنِ شَوَّالٍ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْجُهَّالُ عِيدَ الْأَبْرَارِ ؛ فَإِنَّهَا مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَسْتَحِبَّهَا السَّلَفُ ، وَلَمْ يَفْعَلُوهَا . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ".


"مجموع الفتاوى" (25 / 298) ، و "الفتاوى الكبرى" (1 / 372) .


 


وقال رحمه الله :


"وما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام ، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له ، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيداً مع اختلاف الناس في مولده ؛ فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه ، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً ؛ لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا ؛ فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له منا وهم على الخير أحرص ، وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته ، وطاعته ، واتباع أمره ، وإحياء سنته باطناً وظاهراً ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وأكثر هؤلاء الذين تجدونهم حرصاء على أمثال هذه البدع مع مالهم فيها من حسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم به المثوبة تجدونهم فاترين في أمر الرسول عما أمروا بالنشاط فيه وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه أو يقرأ فيه ولا يتبعه وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه أو يصلي فيه قليلا".


"اقتضاء الصراط" (1 / 294-296) .


هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه اجمعين،،،


 


كتبه /


أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .


24 / 6 / 1427هـ