عن الحسن -رحمه الله- أن عمر -رضي الله عنه- كان يقول:
"اللّهُمّ اجعل عملي صالحًا، واجعله لك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه
شيئًا". {رواه أحمد في "الزهد" (118)}



الخميس، 19 مايو 2016

{ الابتعاد عن كل رأي يفرق الجماعة }



{ الابتعاد عن كل رأي يفرق الجماعة }


قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ ) .    "الصحيحة" (224) .


    { قَالَ شيخُنا الألباني (1/ الأول /443-445) } :

    فقه الحديث :
  قال الترمذي عقب الحديث {في "جامعه" (3 / 80)} :
       "وَفَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ ، فَقَالَ : إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا : أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَعِظَمِ النَّاسِ" .

وقال الصنعاني في"سبل السلام" (2 / 72) {الخولي (2 / 489) ، و (2 / 134) ط. عطا} :

       "فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي ثُبُوتِ الْعِيدِ الْمُوَافَقَةُ لِلنَّاسِ ، وَأَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِمَعْرِفَةِ يَوْمِ الْعِيدِ بِالرُّؤْيَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ مُوَافَقَةُ غَيْرِهِ ، وَيَلْزَمُهُ حُكْمُهُمْ فِي الصَّلَاةِ ، وَالْإِفْطَارِ ، وَالْأُضْحِيَّةِ" .

    وذكر معنى هذا ابن القيم رحمه الله في"تهذيب السنن" (3 / 214) ، وقال :
       "وَقِيلَ : فِيهِ الرَّدّ عَلَى مَنْ يَقُولُ : إِنَّ مَنْ عَرَفَ طُلُوع الْقَمَر بِتَقْدِيرِ حِسَاب الْمَنَازِل ؛ جَازَ لَهُ أَنْ يَصُوم وَيُفْطِر ؛ دُون مَنْ يَعْلَم . وَقِيلَ : إِنَّ الشَّاهِد الْوَاحِد إِذَا رَأَى الْهِلَال ، وَلَمْ يَحْكُم الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ : أَنَّهُ لَا يَكُون هَذَا لَهُ صَوْماً , كَمَا لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ" .

    وقال أبو الحسن السندي في"حاشيته على ابن ماجة" {ط. الجيل ، والفكر الثانية (1 / 509)} بعد أن ذكر حديث إبي هريرة عند الترمذي :
       "وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَيْسَ لِلْآحَادِ فِيهَا دَخْلٌ ، وَلَيْسَ لَهُمُ التَّفَرُّدُ فِيهَا ، بَلِ الْأَمْرُ فِيهَا إِلَى الْإِمَامِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَيَجِبُ عَلَى الْآحَادِ اتِّبَاعُهُمْ لِلْإِمَامِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَعَلَى هَذَا ؛ فَإِذَا رَأَى أَحَدٌ الْهِلَالَ ، وَرَدَّ الْإِمَامُ شَهَادَتَهُ ؛ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ فِي حَقِّهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْبَعَ الْجَمَاعَةَ فِي ذَلِكَ" .

    قلت : وهذا المعنى هو المتبادر من الحديث ، ويؤيده احتجاج عائشة به على مسروق حين امتنع من صيام يوم عرفة ؛ خشية أن يكون يوم النحر ، فبينت له أنه لا عبرة برأيه ، وأن عليه اتباع الجماعة ، فقالت :
    "النَّحْرُ يَوْمَ يَنْحَرُ النَّاسُ ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ". {"الكبرى" للبيهقي (4 / 252)}.

       قلت : وهذا هو اللائق بالشريعة السمحة التي من غايتها تجميع الناس وتوحيد صفوفهم ، وإبعادهم عن كل ما يفرِّق جمعهم من الآراء الفرديَّة ، فلا تعتبر الشريعة رأي الفرد - ولو كان صواباً من وجهة نظره - في عبادة جماعية كالصوم والتعييد وصلاة الجماعة ، ألا ترى أن الصحابة y كان يصلي بعضهم وراء بعض وفيهم مَن يرى أن مس المرأة والعضو وخروج الدم من نواقض الوضوء ، ومنهم مَن لا يرى ذلك ، ومنهم من يتمُّ في السفر ، ومنهم من يقصر ؟! فلم يكن اختلافهم هذا وغيره ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإمام الواحد ، والاعتداد بها ، وذلك لعلمهم بأن التفرُّق في الدين شرُّ من الاختلاف في بعض الآراء ، ولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الاعتداد بالرأي المخالف لرأي الإمام الأعظم في المجتمع الأكبر كـ"منى" ، إلى حد ترك العمل برأيه إطلاقاً في ذلك المجتمع ؛ فراراً ممَّا قد ينتج من الشر بسبب العمل برأيه ، فروى أبو داود (1 / 307) {(رقم 1960)} :
"أَنَّ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى بِمِنىً أَرْبَعاً ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مُنْكِراً عَليْهِ : صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْراً مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا . ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ ؛ فَلَوَدِدْتُ أَنَّ لِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ . إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى أَرْبَعاً ! فَقِيلَ لَهُ : عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتَ أَرْبَعاً ؟ قَالَ : الْخِلاَفُ شَرٌّ" . وسنده صحيح .
وروى أحمد (5 / 155) نحو هذا عن أبي ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم أجمعين .

       فليتأمل في هذا الحديث وفي الأثر المذكور أولئك الذين لا يزالون يتفرَّقون في صلواتهم ، ولا يقتدون ببعض أئمة المساجد ، وخاصة في صلاة الوتر في رمضان ، بحجَّة كونهم على خلاف مذهبهم ! وبعض أولئك الذين يدَّعون العلم بالفلك ، ممن يصوم ويفطر وحده ؛ متقدماً أو متأخراً على جماعة المسلمين ؛ معتدّاً برأيه وعلمه ، غير مبال بالخروج عنهم .

فليتأمل هؤلاء جميعاً فيما ذكرناه من العلم ، لعلهم يجدون شفاءً لما في نفوسهم من جهل وغرور ، فيكونون صفاً واحداً مع إخوانهم المسلمين ؛ فإن يد الله على الجماعة . انتهى من "الصحيحة" .

قلتُ :
في عبارة شيخنا الألباني : "فإن يد الله على الجماعة" ؛ جاء الأثر مرفوعاً عن عمر وأسامة بن شريك وسمرة وخباب وابن عمر وعجرفة والخدري وابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ" .

رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (7 / 313) ، ابن أبي عاصم (80، 81) ، والبزار (10 / 436) ، والنسائي "الصغرى" (7 / 92) و"الكبرى"(2 / 292) ، والطبراني "الكبير" (1 / 186 / 489) ، (4 / 81 / 3709) ، (12 / 447 / 13623) ، (17 / 144، 145 / 362، 368) و "الأوسط" (5/122) ، (7/193) ، والحاكم في "المستدرك" (1/115، 116) ، والشهاب في "المسند" (1 / 157 / 239) ، و البيهقي في "الشعب" (7 / 488 / 11085) و"الأسماء والصفات" (2 / 246) ، و"البغوي في "شرح السنة" (1 / 215) . والحديث صححه الحاكم ، والألباني بشواهده في "ظلال الجنة" (81) ، و"صحيح سنن النسائي"  (3753) ، و"صحيح الجامع" (1844، 7921) ط. الأولى 1388هـ "المكتب الاسلامي" .

وجاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ       أَنَّه قَالَ : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ! عَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّهَا حَبْلُ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ ، وَإِنَّ مَا تَكْرَهُونَ فِي الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِمَّا تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ " . وسنده حسن .

رواه الطبري في "التفسير" (3 / 380 / 7577) ط. الكتب العلمية" الأولى 1412هـ و(4 / 32) ط. "الفكر" 1405هـ ، وابن أبي حاتم في "التفسير" (3 / 733) تح. أسعد ، والطبراني "الكبير" (9 / 224 / 8972) ، والآجري في "الشريعة" (ص 23) تح. الفقي و(1 / 123 / 17) تح. الوليد و(1 / 299 / 17) تح. الدميجي ، والحاكم (4 / 555) - وصححه ووافقه الذهبي- ، والللاكائي في"اعتقاد أهل السنة" (1 / 108 / 159) ، وأبو نُعيم في "الحلية" (9 / 249) ، و"البغوي في "شرح السنة" (10 / 54) .

وهنا أثر عزيز وقفت عليه وإن كان يحكي حكماً فقهياً ، ولكن الملفت فيه هو قول عبيدة السلماني في الحديث وهو الشاهد هنا في مسألة الجماعة وعدم الفرقة .

فعَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالُ : "سَمِعْتُ عَلِيّاً يَقُولُ : "اجْتَمَعَ رَأْيِّي وَرَأْيُ عُمَرَ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَنْ لَا يَبِعْنَ" ، قَالَ : "ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْدُ أَنْ يَبِعْنَ" .
قَالَ عُبَيْدَةُ : فَقُلْتُ لَهُ : فَرَأْيُكَ وَرَأْيُ عُمَرَ فِي الُجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ فِي الْفِرْقَةِ ، قَالَ : فَضَحِكَ عَلِيٌّ" .

أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (11 / 291 / 13224) ، وابن شبة في "أخبار المدينة" (1 / 386) ط. "الكتب العلمية" 1417هـ تح. دندل و بيان .

قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (4/219) و"الدراية تخريج الهداية" (2/88) : "وهَذَا الإِسْنَادُ مَعدُودٌ في أصَحِّ الأَسَانِيدِ" ، ووافقه الألباني بنقله والاستشهاد به في "الصحيحة" (5/543) ، وأخرجه البيهقي في "الكبرى" (10 / 343) ، وابن أبي شيبة (6 / 436 / 1631) ط. الهند و(4 / 409 / 21590) تح. الحوت.

والشاهد منه : قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : قُلْتُ لِعَبِيدَةَ : مَا تَرَى ؟ قَالَ : "رَأْيُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ حِينَ أَدْرَكَ الْخِلَافَ" .
فهذا السَّلْمَانيِّ رأى رَأْيُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ فِي الْجَمَاعَةِ خير من قول عليٍّ لوحدة ، وأقرّه عليٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بضحكه . فيا ليتنا نتعلم منهم العمل !


انتقاه وقيّده /
أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .

6 / 1 / 1426هـ