عن الحسن -رحمه الله- أن عمر -رضي الله عنه- كان يقول:
"اللّهُمّ اجعل عملي صالحًا، واجعله لك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه
شيئًا". {رواه أحمد في "الزهد" (118)}



السبت، 21 مايو 2016

{ الـمُنتَصف مِنَ القول لمن أراد أن يصوم أياماً من شعبان بعدما انْتَصَف }


{ الـمُنتَصف مِنَ القول لمن أراد أن يصوم أياماً من شعبان بعدما انْتَصَف }


عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ ؛ فَلَا تَصُومُوا )  .

رَوَاهُ أَحْمَدُ (2 / 442) ، وَالدَّارِمِيُّ (2 / 29 / 1740) ،  أَبُو دَاوُدَ (2337) ، وَالتِّرْمِذِيُّ (738) ، وَابْنُ مَاجَهْ (1651) ، والنسائي في "الكبرى" (2 / 172) ، والبيهقي في "الكبرى" (4 / 209) ، والطبراني في "الأوسط" (7 / 65 / 6863) الحسيني ، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2 / 82) ، وغيرهم . كلهم بألفاظ متقاربة .


ذهب كبار من أئمة الحديث إلى تضعيف حديث الترجمة منهم :
عبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى بن معين ، والإمام أحمد ، وأبو زرعة الرازي ، وأبو بكرٍ الأثرم ، وأبو داود ، والنسائي .

انظر : "سؤالات البرذعي لأبي زرعة" (2 / 388) ، و "الاستذكار" (10 / 239) ، و"لطائف المعارف" (ص 135) ، "فتح الباري" (4 / 129) .

وعلى هذا؛ قالوا : يَجُوزُ الصَّوْمُ تَطَوُّعًا بَعْدَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ ؛ وهو قول جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ؛ كما في "الفتح" .


وصحح حديث الباب غير واحد من الأئمة كـ:
الترمذي ، وأبو عوانه – بإخراجه في مستخرجه - ، وابن حبان ، والطحاوي ، وابن حزم ، وابن عبد البر ، وابن باز ، والألباني . ونصره ابن القيم .

انظر : ""جامع الترمذي (3 / 114) ، و"شرح معاني الآثار" (2 / 82) ، و "المحلى بالآثار" (7 / 26) ، و "الاستذكار" (10 / 239) ، و "تهذيب السنن" (3 /223-225) ، و "الفتح" (4 / 129) .


وقال النووي :
"وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ ؛ بَلْ رَوَاهُ وَسَكَتَ عَلَيْهِ" .
المجموع شرح المهذب" (6 / 399) .


قال الألباني :
"قلت : إسناده صحيح على شرط مسلم ، وصححه الترمذي وابن حبان ، واحتج به ابن حزم ، وقوّاه ابن القيم" .
"صحيح أبي داود" الأم (7 / 101) . وانظر : "المشكاة" (1974) ، و"صحيح الجامع" (397) .


قال ابن القيم في "تهذيب سنن أبي داود" :
"الْمُصَحِّحُونَ لَهُ أَجَابُوا : بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْدَح فِي صِحَّته , وَهُوَ حَدِيث عَلَى شَرْط مُسْلِم , فَإِنَّ مُسْلِماً أَخْرُج فِي صَحِيحه عِدَّة أَحَادِيث عَنْ الْعَلَاء عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَتَفَرُّده بِهِ تَفَرُّد ثِقَة بِحَدِيثٍ مُسْتَقِلٍّ , وَلَهُ عِدَّة نَظَائِر فِي الصَّحِيح .. وَأَمَّا ظَنُّ مُعَارَضَته بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّة عَلَى صِيَام شَعْبَان ؛ فَلَا مُعَارَضَة بَيْنهمَا , وَإِنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيث تَدُلّ عَلَى صَوْم نِصْفه مَعَ مَا قَبْله , وَعَلَى الصَّوْم الْمُعْتَاد فِي النِّصْف الثَّانِي , وَحَدِيث الْعَلَاء يَدُلّ عَلَى الْمَنْع مِنْ تَعَمُّد الصَّوْم بَعْد النِّصْف , لاَ لِعَادَةٍ , وَلاَ مُضَافًا إِلَى مَا قَبْله" .


فقه الحديث :

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحاويُّ :
"فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى كَرَاهَةِ الصَّوْمِ بَعْدَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى رَمَضَانَ , وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ , بِهَذَا الْحَدِيثِ وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ" .

قَالَ التِّرمذيُّ في "جامعه" :
"وَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ : أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُفْطِراً ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ شَعْبَانَ شَيْءٌ ؛ أَخَذَ فِي الصَّوْمِ لِحَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُشْبِهُ قَوْلَهُمْ ، حَيْثُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لاَ تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِصِيَامٍ ، إِلاَّ أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْماً كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ) .
وَقَدْ دَلَّ فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّمَا الكَرَاهِيَةُ عَلَى مَنْ يَتَعَمَّدُ الصِّيَامَ لِحَالِ رَمَضَانَ" .
(3 / 114) .


ومن أبواب ابن حبان في "صحيحه" :
"ذِكْرُ الزَّجْرِ عَنْ إِنْشَاءِ الصَّوْمِ بَعْدَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ شَعْبَانَ" .

قال ابن حزم :
"وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ الصَّوْمَ بَعْدَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ جُمْلَةً، إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُتَيَقَّنَ مِنْ مُقْتَضَى لَفْظِ هَذَا الْخَبَرِ النَّهْيُ عَنْ الصِّيَامِ بَعْدَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَا يَكُونُ الصِّيَامُ فِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ بَاقِي الشَّهْرِ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ بَيِّنًا، وَلَا يَخْلُو شَعْبَانُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثِينَ أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَانْتِصَافُهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ وَإِنْ كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَانْتِصَافُهُ فِي نِصْفِ الْيَوْمِ الْخَامِسِ عَشَرَ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الصِّيَامِ بَعْدَ النِّصْفِ، فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِ الْيَوْمِ السَّادِسَ عَشَرَ بِلَا شَكٍّ" .
ثم ذكر حديث الباب ، وقال :
"وَهَذَا يَحْتَمِلُ النَّهْيَ عَنْ كُلِّ مَا بَعْدَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ ؛ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ بَعْضِ مَا بَعْدَ النِّصْفِ ، وَلَيْسَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ أَوْلَى بِظَاهِرِ اللَّفْظِ مِنْ الْآخَرِ".
ثم ذكر حديث أُمِّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ : (أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ ...) ، وقال :
"وَقَوْلُهُمَا هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُدَاوِمُ ذَلِكَ فَوَجَبَ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ كُلِّهَا وَأَلَّا يُرَدَّ مِنْهَا شَيْءٌ لِشَيْءٍ أَصْلًا؛ فَصَحَّ صِيَامُ أَكْثَرِ شَعْبَانَ مَرْغُوبًا فِيهِ، وَصَحَّ جَوَازُ صَوْمِ آخِرِهِ؛ فَلَمْ يَبْقَ يَقِينُ النَّهْيِ إلَّا عَلَى مَا لَا شَكَّ فِيهِ وَهُوَ الْيَوْمُ السَّادِسَ عَشَرَ كَمَا قُلْنَا . وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ" . "المحلى بالآثار" (7 / 26) .
تنبيه : ابن حزم يذهب إلى النهي عن صيام اليوم السادس عشر فقط !

قال الإمام ابن باز :
"أما الحديث الذي فيه النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان ؛ فهو صحيح ، كما قال الأخ العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني .
والمراد به : النهي عن ابتداء الصوم بعد النصف ، أما من صام أكثر الشهر أو الشهر كله فقد أصاب السنة" .
"مجموع الفتاوى والرسائل" (15 / 385، 25 / 220) .


ومن أبواب "رياض الصالحين" قال النووي :
"باب النهي عن تقدم رمضان بصوم بعد نصف شعبان إِلاَّ لمن وصله بما قبله أَوْ وافق عادة لَهُ بأن كَانَ عادته صوم الإثنين والخميس فوافقه" .

قلتُ : ومما سبق يظهر من حديث النهي عن الصيام ما بعد النصف الأول من شعبان لمن لم يصله بما قبله ولم تكن له عادة ؛ أنّ النهي للكراهية وليس للتحريم .

قَالَ الرُّويَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ :
"يُكْرَهُ التَّقَدُّمَ مِنْ نِصْفِ شَعْبَانَ لِلْحَدِيثِ الْآخَرِ" .
نقله ابن حجر في "الفتح" (4 / 129) .

وقال محقق العصر العثيمين :
"وأما النهي عن الصوم بعد منتصف شعبان حتى لو صح الحديث ؛ فالنهي فيه ليس للتحريم وإنما هو للكراهة ؛ كما أخذ بذلك بعض أهل العلم رحمهم الله ، إلا من له عادة بصوم فإنه يصوم ولو بعد نصف شعبان" .
"شرح رياض الصالحين" (5 / 283) .

خلاصة البحث المختصر :
أن الصيام بعد منتصف شهر شعبان تطوعاً لمن لم يكن قد صام في النصف الأول منه ، ولم تكن له عادة في صيام يوم وترك يوم أو صيام الاثنين والخميس مثلاً ؛ فهو مكروهٌ على الصحيح ؛ لصحة حديث النهي – حديث الباب – وجمعاً لأحاديث الباب العامة المبيحة للصيام في شهر شعبان .

فعلى هذا ؛ ننصح من لم يكن قد صام أياما من بداية الشهر ؛ أن يصوم الخامس عشر على أقل تقدير ؛ كي يخرج من الخلاف إن أراد أن يصوم أياماً في النصف الثاني في شهر شعبان تطوعاً .

قلنا تطوعاً وتكرر ذلك منّا ؛ ليَخرُج مَن كان عليه قضاء من رمضان الماضي ولم يصم حتى دخل عليه النصف الثاني من شهر شعبان ؛ فإنه لا يشمله النهي حتماً ، وكذلك من كان عليه نذر أن يصوم أياماً في المنصف الثاني من شعبان ، وأيضاً من كان عليه كفارة يمين - على التفصيل – إذا لم يستطع الإطعام او الكسوة أو العتق كما هو معروف في ذلك ؛ فإنّ هؤلاء لا يشملهم النهي .
وبالله التوفيق .


جمعه وكتبه /
أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .

13 / 8 / 1429ه