عن الحسن -رحمه الله- أن عمر -رضي الله عنه- كان يقول:
"اللّهُمّ اجعل عملي صالحًا، واجعله لك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه
شيئًا". {رواه أحمد في "الزهد" (118)}



الأربعاء، 25 مايو 2016

الصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ عَنِ الوَالِدِ المُسْلِمِ




الصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ عَنِ الوَالِدِ المُسْلِمِ



قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَمَّا أَبُوكَ ؛ فَلَوْ كَانَ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ ، فَصُمْتَ وَتَصَدَّقْتَ عَنْهُ ؛ نَفَعَهُ ذَلِكَ ) .     
"الصحيحة" (484) .


    { مناسبة الحديث } :

    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ابْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :
"أَنَّ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَنْحَرَ مِائَةَ بَدَنَةٍ ، وَأَنَّ هِشَامَ بْنَ الْعَاصِ نَحَرَ حِصَّتَهُ خَمْسِينَ بَدَنَةً ، وَأَنَّ عَمْراً سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : (فَذَكَرَهُ)" .
   

{ قَالَ شيخُنا الألباني (1 / الثاني / 873-874) } :

       والحديث دليل واضح على أن الصدقة والصوم تلحق الوالد ومثله الوالدة بعد موتها إذا كانا مسلمين ، ويصل إليهما ثوابها بدون وصية منهما .

ولما كان الولد من سعي الوالدين ؛ فهو داخل في عموم قوله تعالى : ]وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى[ [النجم : 39] ؛ فلا داعي إلى تخصيص هذا العموم بالحديث وما ورد في معناه في الباب ، مما أورده المجد ابن تيمية في "المنتقى" ؛ كما فعل البعض .
       واعلم أن كل الأحاديث التي في الباب هي خاصة بالأب أو الأم من الولد ؛ فالاستدلال بها على وصول ثواب القرب إلى جميع الموتى كما ترجم لها المجد ابن تيمية بقوله : "باب وصول ثواب القُرَب المهداة إلى الموتى" ؛ غير صحيح ، لأن الدعوى أعم من الدليل ، ولم يأت دليل يدلُّ دلالة عامة على انتفاع عموم الموتى من عموم أعمال الخير التي تهدى إليهم من الأحياء ، اللهم إلا في أمور خاصة ذكرها الشوكاني في "نيل الأوطار" (4 / 70-78) ، ثم الكاتب في كتابه "أحكام الجنائز وبدعها" ، ومن ذلك الدعاء للموتى ؛ فإنه ينفعهم إذا استجابه الله تبارك وتعالى .


    فاحفظ هذا ؛ تنجُ من الإفراط والتفريط في هذه المسألة .
وخلاصة ذلك : أن للولد أن يتصدَّق ويصوم ويحج ويعتمر ويقرأ القرآن عن والديه ؛ لأنه من سعيهما ، وليس له ذلك عن غيرهما ؛ إلا ما خصَّه الدليل مما سبقت الإشارة إليه .

والله أعلم . انتهى من "الصحيحة" .



قلت : ولإتمام الفائدة :

قال الشيخ في كتـابه "أحكام الجنـائز وبدعها" (ص 219-221) ط. "المعارف" ، (ص 173-174) ط. "المكتب الإسلامي" :
"قال الشوكاني في "نيل الأوطار" (4 / 79) {ط. الأولى 1403هـ (4 / 92)}:

"وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ مِنْ الْوَلَدِ تَلْحَقُ الْوَالِدَيْنِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا بِدُونِ وَصِيَّةٍ مِنْهُمَا ، وَيَصِلُ إلَيْهِمَا ثَوَابُهَا ، فَيُخَصَّصُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : ]وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى[ . وَلَكِنْ لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ إلَّا لُحُوقُ الصَّدَقَةِ مِنْ الْوَلَدِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ وَلَدَ الْإِنْسَانِ مِنْ سَعْيِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى دَعْوَى التَّخْصِيصِ ، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِ الْوَلَدِ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْعُمُومَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَصِلُ ثَوَابُهُ إلَى الْمَيِّتِ ، فَيُوقَفُ عَلَيْهَا ، حَتَّى يَأْتِيَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهَا" .

قلت : وهذا هو الحقُّ الذي تقضيه القواعدُ العلميةُ ، أنَّ الآيةَ على عمومها وأن ثواب الصدقة وغيرها يصل من الولدِ إلى الوالد ؛ لأنه من سعيه بخلاف غير الولد .
إذا تذكرت أن الشرع جعل الولد من كسب الوالد كما في حديث عائشة : {(إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ
الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ)} ؛ فليس هو كسباً لغيره ، والله عَزَّ وَجَلَّ يقول :
]كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ[ ، ويقول : ]لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ[ .


وقد قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله عَزَّ وَجَلَّ : ]وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى[ :

       "أَيْ كَمَا لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ وِزْرُ غَيْرِهِ ، كَذَلِكَ لَا يُحَصِّلُ مِنَ الْأَجْرِ إِلَّا مَا كَسَبَ هُوَ لِنَفْسِهِ . وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ اسْتَنْبَطَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَهُ : أَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا يَصِلُ إِهْدَاءُ ثَوَابِهَا إِلَى الْمَوْتَى لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَلِهِمْ وَلَا كَسْبِهِمْ ، وَلِهَذَا لَمْ يَنْدُبْ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ ، وَلَا حَثَّهُمْ عَلَيْهِ ، وَلَا أَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِ بِنَصٍّ وَلَا إِيمَاءٍ ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم ، وَلَوْ كَانَ خَيْراً لَسَبَقُونَا إِلَيْهِ ، وَبَابُ الْقُرُبَاتِ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى النُّصُوصِ وَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِأَنْوَاعِ الْأَقْيِسَةِ وَالْآرَاءِ" . {"تفسير ابن كثير" [سورة النجم آية : 39] (7 / 440)} .


وقال العزيز بن عبدالسلام في "الفتاوى" (24 / 2 – عام 1692 ) {في المطبوع ؛ ط. الأولى 1416هـ ت. كردي (ص 289 / مسألة : 47)} :

       "ومن فعل طاعة لله تعالى ، ثم أهدى ثوابها إلى حي أو ميت ، لم يُنتقل ثوابها إليه ، إذ ]لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى[ فإنْ شَرَعَ في الطاعةِ ناوياً أنْ يقع عن الميت لم يقع عنه ، إلا فيما استثناه الشرع كالصدقة والصوم والحج" .


 وقال شيخ الإسلام ابن تيميــة رحمه الله تعالى في "الاختيارات العلمية" (ص 54) {ط. السعيدية (ص 166) ، و ط. ت. الفقي (ص 92)} :

       "وَلَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَةِ السَّلَفِ إذَا صَلَّوْا تَطَوُّعاً أَوْ صَامُوا تَطَوُّعاً أَوْ حَجُّوا تَطَوُّعاً ، أَوْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ يُهْدُونَ ثَوَابَ ذَلِكَ إلَى أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْ طَرِيقِ السَّلَفِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ" . انتهى من "أحكام الجنائز" .



انتقاها وقيّده /
أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .
 19 / 2 / 1425هـ