عن الحسن -رحمه الله- أن عمر -رضي الله عنه- كان يقول:
"اللّهُمّ اجعل عملي صالحًا، واجعله لك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه
شيئًا". {رواه أحمد في "الزهد" (118)}



‏إظهار الرسائل ذات التسميات العقيدة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العقيدة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 3 ديسمبر 2016

نشأة بدعة الاحتفال بالمولد النبوي





نشأة بدعة الاحتفال بالمولد النبوي


 


بسم الله الرحمن الرحيم


إن من استعرض السيرة النبوية وتاريخ الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين وتابعيهم وتابع تابعيهم إلى نهاية المائة الثالثة من الهجرية ؛ لم يجد أحدا من العلماء تكلم في المولد النبوي أو ذكره في مصنفه ؛ لأنه لم تكن قد أُحدثت هذه البدعة ؛ لا من الحكام ولا حتى من عامة الناس .


وأول من ابتدع بدعة المولد بنو عبيد "العبيديون" ويسمون الفاطميون في مصر، ذكر تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في كتابة "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" (1 / 490) فقال :


"ذِكْرُ الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعياداً ومواسم تتسع بها أحوال الرعية وتكثر نعمهم".


وقال :


"وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم وهي مواسم "رأس السنة" ، ومواسم "أول العام" ، "ويوم عاشوراء" ، "ومولد النبي صلى الله عليه وسلم" ، "ومولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه" ، "ومولد الحسن والحسين عليهما السلام" ، "ومولد فاطمة الزهراء عليها السلام" ، "ومولد الخليفة الحاضر" ، "وليلة أول رجب" ، "ليلة نصفه" ، "وموسم ليلة رمضان" ، "وغرة رمضان" ، "وسماط رمضان" ، "وليلة الختم" ، "وموسم عيد الفطر" ، "وموسم عيد النحر" ، "وعيد الغدير" ، "وكسوة الشتاء" ، "وكسوة الصيف" ، "وموسم فتح الخليج" ، "ويوم النوروز" ، "ويوم الغطاس" ، "ويوم الميلاد" ، "وخميس العدس" ، وأيام الركوبات" . انهى .


 


قال الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي مفتي الديار المصرية سابقاً في كتابة "أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام" (44-45) :


"مما حدث وكثر السؤال عنه الموالد فنقول : إن أول من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميون ، وأولهم المعز لدين الله توجه من المغرب إلى مصر في شوال سنة (361هـ) ، فوصل إلى ثغر الإسكندرية في شعبان سنة (362هـ) ودخل القاهرة لسبع خلون من شهر رمضان فابتدعوا ستة موالد : النبوي ، ومولد أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب..." .


نقلاً عن "القول الفصل" (2 / 457-458) لإسماعيل الأنصاري .


 


وبنو عبيد تلقبوا بالفاطميين ؛ يريدون أن يلتصقوا بهذا النسب الشريف ؛ وهم إلى أرذل الأنساب يرجعون .




قال الإمام المؤرخ أبو شامة صاحب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين" (ص / 200-202) عن العبيديين :


"أظهروا للناس أنهم شرفاء فاطميون ، فملكوا البلاد ، وقهروا العباد ، وقد ذكر جماعة من أكابر العلماء : أنهم لم يكونوا لذلك أهلاً ، ولا نسبهم صحيحاً بل المعروف أنهم "بنو عبيد" ؛ وكان والد عبيد هذا من نسل القداح الملحد المجوسي . وقيل : كان والد عبيد هذا يهوديا من أهل سلمية من بلاد الشام وكان حدَّاداً .


وعبيد هذا كان اسمه "سعيداً" ، فلما دخل المغرب تسمى بـ"عبيد الله" وزعم أنه علوي فاطمي ، وادعى نسباً ليس بصحيح - لم يذكره أحد من مصنفي الأنساب العلوية بل ذكر جماعة من العلماء بالنسب ؛ خلافه - ، ثم ترقت به الحال إلى أنْ مَلَكَ وتسمى بـ"المهدي" ؛ وبني المهدية بالمغرب ؛ ونسبت إليه وكان زنديقاً خبيثاً عدواً للإسلام متظاهراً بالتشيع متستراً به حريصاً على إزالة الملة الإسلامية ، قتل من الفقهاء والمحدثين جماعة كثيرة ، وكان قصده إعدامهم من الوجود لتبقى العالم كالبهائم فيتمكن من إفساد عقائدهم وضلالتهم ، والله متم نوره ولو كره الكافرون .


ونشأت ذريته على ذلك منطوين ، يجهرون به إذا أمكنتهم الفرصة وإلا أسروه ، والدعاة لهم منبثون في البلاد يضلون من أمكنهم إضلاله من العباد ، وبقي هذا البلاء على الإسلام من أول دولتهم إلى آخرها ، وذلك من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين (299) إلى سنة سبع وستين وخمسمائة (567) ، وفي أيامهم كثرة الرافضة واستحكم أمرهم ...... وكانوا أربعة عشر مستخلفاً ؛ يدّعون الشرف ؛ ونسبتهم إلى مجوسي أو يهودي ، حتى اشتهر لهم ذلك بين العوام ، فصاروا يقولون : الدولة الفاطمية والدولة العلوية وإنما هي "الدولة المجوسية أو اليهودية الباطنية الملحدة" .


ومن قباحتهم انهم كانوا يأمرون الخطباء بذلك "أي : أنهم علويون فاطميون" على المنابر ، ويكتبونه على جدران المساجد ، وغيرها .


وخطب عبدهم جوهر الذي أخذ لهم الديار المصرية وبنى لهم القاهرة "المعزية" بنفسه خطبة قال فيها : اللهم صلي على عبدك ووليك ثمرة النبوة وسليل العترة الهادية المهدية معد أبي تميم الإمام المعز لدين الله أمير المؤمنين كما صليت على آبائه الطاهرين وسلفه المنتخبين الأئمة الراشدين" .


كذب عدوّ الله اللعين فلا خير فيه ولا في سلفه أجمعين ولا في ذريته الباقين ، والعترة النبوية الطاهرة منهم بمعزل رحمة الله عليهم وعلى أمثالهم من الصدر الأول .


والملقب بالمهدي لعنه الله ؛ كان يتخذ الجهال ويسلطهم على أهل الفضل ، وكان يرسل إلى الفقهاء والعلماء ؛ فيُذبحون في فرشهم ، وأرسل إلى الروم وسلطهم على المسلمين ، وأكثر من الجور واستصفاء الأموال وقتل الرجال ، وكان له دعاة يضلون الناس على قدر طبقاتهم فيقولون لبعضهم : "هو المهدي ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجة الله على خلقه" ، ويقولون لآخرين : "هو رسول الله وحجة الله" ، ويقولون لآخرين : "هو الله الخالق الرازق" .


لا اله إلا الله وحده لا شريك له تبارك سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً .


ولما هلك قام ابنه المسمى بالقائم مقامه ، وزاد شره على شر أبيه أضعافاً مضاعفة وجاهر بشتم الأنبياء ، فكان ينادى في أسواق المهدية وغيرها "العنوا عائشة وبعلها العنوا الغار وما حوى" .


اللهم صلي على نبيك وأصحابه وأزواجه الطاهرين ، وألعن هؤلاء الكفرة الفجرة الملحدين ، وارحم من ازالهم وكان سبب قلعهم ، ومن جرى على يديه تفريق جمعهم ، وأصلهم سعيراً ولقهم ثبوراً وأسكنهم النار جمعاً واجعلهم ممن قلت فيهم : { الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}" .


"الطعن من أئمة بغداد وعلمائهم في نسب الفاطميين (ملوك مصر) .


وفي ربيع الآخر منها كتب هؤلاء ببغداد محاضر تتضمن الطعن والقدح في نسب الفاطميين ؛ وهم ملوك مصر وليسوا كذلك ، وإنما نسبهم إلى عبيد بن سعد الجرمي ، وكتب في ذلك جماعة من العلماء والقضاة والأشراف والعدول والصالحين والفقهاء والمحدثين وشهدوا جميعاً :


أن الحاكم بمصر ؛ هو منصور بن نزار الملقب بالحاكم حكم الله عليه بالبوار والخزي والدمار ابن معد بن إسماعيل بن عبدالله بن سعيد لا أسعده الله فإنه لما صار إلى بلاد المغرب تسمى بعبيد الله ، وتلقب بالمهدي وأن من تقدم من سلفه أدعياء خوارج لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب ولا يتعلقون بسببٍ ، وأنه منزه عن باطلهم ، وأن الذي ادعوه إليه باطل وزور وأنهم لا يعلمون أحداً من أهل بيوتات .


وأن هذا الحاكم بمصر هو وسلفه : كفار ، فساق ، فجار ، ملحدون ، زنادقة ، معطلون ، وللإسلام جاحدون ، ولمذهب المجوسية والوثنوية معتقدون ، قد عطلوا الحدود ، وأباحوا الفروج ، وأحلوا الخمر ، وسفكوا الدماء ، وسبّوا الأنبياء ، ولعنوا السلف ، وادعوا الربوبية".


"البداية والنهاية" (11 / 245-246) .


 


قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :


"وَأَمَّا اتِّخَاذُ مَوْسِمٍ غَيْرِ الْمَوَاسِمِ الشَّرْعِيَّةِ كَبَعْضِ لَيَالِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ الَّتِي يُقَالُ : إنَّهَا لَيْلَةُ الْمَوْلِدِ ، أَوْ بَعْضِ لَيَالِيِ رَجَبٍ ، أَوْ ثَامِنَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ ، أَوْ أَوَّلِ جُمْعَةٍ مِنْ رَجَبٍ ، أَوْ ثَامِنِ شَوَّالٍ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْجُهَّالُ عِيدَ الْأَبْرَارِ ؛ فَإِنَّهَا مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَسْتَحِبَّهَا السَّلَفُ ، وَلَمْ يَفْعَلُوهَا . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ".


"مجموع الفتاوى" (25 / 298) ، و "الفتاوى الكبرى" (1 / 372) .


 


وقال رحمه الله :


"وما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام ، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له ، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيداً مع اختلاف الناس في مولده ؛ فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه ، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً ؛ لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا ؛ فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له منا وهم على الخير أحرص ، وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته ، وطاعته ، واتباع أمره ، وإحياء سنته باطناً وظاهراً ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وأكثر هؤلاء الذين تجدونهم حرصاء على أمثال هذه البدع مع مالهم فيها من حسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم به المثوبة تجدونهم فاترين في أمر الرسول عما أمروا بالنشاط فيه وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه أو يقرأ فيه ولا يتبعه وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه أو يصلي فيه قليلا".


"اقتضاء الصراط" (1 / 294-296) .


هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه اجمعين،،،


 


كتبه /


أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .


24 / 6 / 1427هـ

الأحد، 28 أغسطس 2016

رسالة إلى كل من يُكفِّر حكّام المسلمين

 
رسالة إلى كل من يُكفِّر حكّام المسلمين
 
سبب نزول ) وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ( الآية ، وأنها في الكفار ، وأن الكفرَ
العملي غير الاعتقادي .
 
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ : ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [وَ ]أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [وَ ]أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَنْزَلَهَا اللَّهُ فِي الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ ، وَكَانَتْ إِحْدَاهُمَا قَدْ قَهَرَتِ الأُخْرَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى ارْتَضَوْا وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ "الْعَزِيزَةُ" مِنَ "الذَّلِيلَةِ" فَدِيَتُهُ خَمْسُونَ وَسْقاً ، وَكُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ "الذَّلِيلَةُ" مِنَ "الْعَزِيزَةِ" فَدِيَتُهُ مِائَةُ وَسْقٍ ، فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ ، حَتَّى قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، فَذَلَّتِ الطَّائِفَتَانِ كِلْتَاهُمَا لِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَوْمَئِذٍ لَمْ يَظْهَرْ وَلَمْ يُوطِئْهُمَا عَلَيْهِ - لفظ الطبراني : "وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُوطِئْهُمَا وَهُوَ الصُّلْحُ"- وَهُوَ فِي الصُّلْحِ ، فَقَتَلَتِ "الذَّلِيلَةُ" مِنَ "الْعَزِيزَةِ" قَتِيلاً ، فَأَرْسَلَتِ "الْعَزِيزَةُ" إِلَى "الذَّلِيلَةِ" أَنِ ابْعَثُوا إِلَيْنَا بِمَائَةِ وَسْقٍ ، فَقَالَتِ "الذَّلِيلَةُ" : وَهَلْ كَانَ هَذَا فِي حَيَّيْنِ قَطُّ دِينُهُمَا وَاحِدٌ ، وَنَسَبُهُمَا وَاحِدٌ وَبَلَدُهُمَا وَاحِدٌ ، دِيَةُ بَعْضِهِمْ نِصْفُ دِيَةِ بَعْضٍ ؟! إِنَّا إِنَّمَا أَعْطَيْنَاكُمْ هَذَا ضَيْماً مِنْكُمْ لَنَا ، وَفَرَقاً([1]) مِنْكُمْ ، فَأَمَّا إِذْ قَدِمَ مُحَمَّدٌ فَلاَ نُعْطِيكُمْ ذَلِكَ ، فَكَادَتِ الْحَرْبُ تَهِيجُ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ ارْتَضَوْا عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ . ثُمَّ ذَكَرَتِ "الْعَزِيزَةُ" ، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا مُحَمَّدٌ بِمُعْطِيكُمْ مِنْهُمْ ضِعْفَ مَا يُعْطِيهِمْ مِنْكُمْ ، وَلَقَدْ صَدَقُوا ، مَا أَعْطَوْنَا هَذَا إِلاَّ ضَيْماً مِنَّا ، وَقَهْراً لَهُمْ ، فَدُسُّوا إِلَى مُحَمَّدٍ مَنْ يَخْبُرُ لَكُمْ رَأْيَهُ ؛ إِنْ أَعْطَاكُمْ مَا تُرِيدُونَ حَكَّمْتُمُوهُ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِكُمْ حَذِرْتُمْ ؛ فَلَمْ تُحَكِّمُوهُ ، فَدَسُّوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاساً مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِيَخْبُرُوا لَهُمْ رَأْىَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأَمْرِهِمْ كُلِّهِ وَمَا أَرَادُوا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ]يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا[ إِلَى قَوْلِهِ ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[ ، ثُمَّ قَالَ : فِيهِمَا وَاللَّهِ نَزَلَتْ ، وَإِيَّاهُمَا عَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ) .
 "الصحيحة" (2552) .
 
{ قَالَ شيخُنا الألباني في "الصحيحة" (6/الأول/111-116) } :
    ( فائدة هامـة ) :
       إذا علمت أن الآيات الثلاث : ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[ ، ]فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[ ، ]فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[ نزلت في اليهود وقولهم في حكمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (إِنْ أَعْطَاكُمْ مَا تُرِيدُونَ ؛ حَكَّمْتُمُوهُ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِكُمْ ؛ حَذِرْتُمْ ؛ فَلَمْ تُحَكِّمُوهُ) ، وقد أشار القرآن إلى قولهم هذا قبل هذه الآيات فقال : ]يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا[ ، إذا عرفت هذا ، فلا يجوز حمل هذه الآيات على بعض الحكام المسلمين وقضاتهم الذين يحكُمون بغير ما أنزل الله من القوانين الأرضية ، أقول : لا يجوز تكفيرهم بذلك ، وإخراجهم من الملة ، إذا كانوا مؤمنين بالله ورسوله ، وإن كانوا مجرمين بحكمهم بغير ما أنزل الله ، لا يجوز ذلك ، لأنهم وإن كانوا كاليهود من جهة حكمهم المذكور ، فهم مخالفون لهم من جهة أخرى ، ألا وهي إيمانهم وتصديقهم بما أنزل الله ، بخلاف اليهود الكفار ، فإنهم كانوا جاحدين له كما يدل عليه قولهم المتقدم : (. . . وَإِنْ لَمْ يُعْطِكُمْ حَذِرْتُمْ ؛ فَلَمْ تُحَكِّمُوهُ) ، بالإضافة إلى أنهم ليسوا مسلمين أصلاً ، وسرّ هذا أن الكفر قسمان :
اعتقادي وعملي . فالاعتقادي مقرّه القلب . والعملي محلّه الجوارح .
      فمن كان عمله كفراً لمخالفته للشرع ، وكان مطابقاً لما وقر في قلبه من الكفر به ، فهو الكفر الاعتقادي ، وهو الكفر الذي لا يغفره الله ، ويخلد صاحبه في النار أبداً . وأما إذا كان مخالفاً لما وقر في قلبه ، فهو مؤمن بحكم ربه ، ولكنه يخالفه بعمله ، فكفره كفرٌ عملي فقط ، وليس كفراً اعتقادياً ، فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذّبه ، وإن شاء غفر له ، وعلى هذا النوع من الكفر تُحمَلُ الأحاديثُ التي فيها إطلاق الكفر على من فعل شيئاً من المعاصي من المسلمين، ولا بأس من ذكر بعضها :
1- (اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ ، الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ) .
2- (الْجِدَالُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ) .
3- (سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) .
4- (كُفْرٌ بِاللَّهِ تَبَرُّؤٌ مِنْ نَسَبٍ وَإِنْ دَقَّ) .
5- (التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ وَتَرْكُهَا كُفْرٌ) .
6- (لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) .
     إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي لا مجال الآن لاستقصائها . فمن قام من المسلمين بشيء من هذه المعاصي ، فكفرُه كفر عملي ، أي إنه يعمل عمل الكفار ، إلا أن يستحلّها ، ولا يرى كونَها معصية فهو حينئذ كافرٌ حلال الدم ، لأنه شارك الكفار في عقيدتهم أيضاً ، والحكم بغير ما أنزل الله ، لا يخرج عن هذه القاعدة أبداً ، وقد جاء عن السلف ما يدعمها ، وهو قولهم في تفسير الآية : "كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ" ، صح ذلك عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، ثم تلقاه عنه بعض التابعين وغيرهم ، ولا بد من ذكر ما تيسر لي عنهم لعل في ذلك إنارة للسبيل أمام من ضلّ اليوم في هذه المسألة الخطيرة ، ونحا نحو الخوارج الذين يكفِّرون المسلمين بارتكابهم المعاصي ، وإن كانوا يصلون ويصومون !
1- روى ابن جرير الطبري ( 10/ 355/ 12053 ) {(6 / 596/ 12058)} بإسناد صحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :
]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[ قَالَ : "هِيَ بِهِ كُفْرٌ , وَلَيْسَ كُفْراً بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ" .
    2- وفي رواية عنه في هذه الآية : "إِنَّهُ لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ ، إِنَّهُ لَيْسَ كُفْراً يَنْقِلُ عَنِ الْمِلَّةِ ، كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ" .
(يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ) ؛ كأنه يشير إلى الخوارج الذي خرجوا على علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
أخرجه الحاكم (2 / 313 ) ، وقال : "صحيح الإسناد" . ووافقه الذهبي ، وحقهما أن يقولا : على شرط الشيخين . فإن إسناده كذلك . 
       ثم رأيت الحافظ ابن كثير نقل في "تفسيره" (6 /163) {(6 /112) تح. غنيم وصاحبيه} عن الحاكم أنه قال :
     "صحيح على شرط الشيخين" ، فالظاهر أن في نسخة "المستدرك" المطبوعة سقطاً ، وعزاه ابن كثير لابن أبي حاتم أيضاً ببعض اختصار .
    3- وفي أخرى عنه من رواية عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : "مَنْ جَحَدَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَقَدْ كَفَرَ , وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ" . أخرجه ابن جرير (12063) {(12068)} .
قلت : وابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس ، لكنّه جيد في الشواهد .
    4- ثم روى (12047 - 12051) {(12052 - 12056)} عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ  قَوْلُهُ : (وذكر الآيات الثلاث) : "كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ , وَفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ , وَظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٌ" . وإسناده صحيح .
    5- ثم روى (12052) {(12057)} عَنْ سَعِيدٍ الْمَكِّيِّ , عَنْ
طَاوُسٍ (وذكر الآية) ، قَالَ : "لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ" .
وإسناده صحيح .
       6- وروى (12025 و 12026) {(12030 -12031)} من طريقين عَنْ عِمْرَانَ بْنَ حُدَيْرٍ قَالَ : أَتَى أَبَا مِجْلَزِ - [من كبار ثقات التابعين واسمه لاحق بن حميد البصري] - نَاسٌ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ سَدُوسٍ , "وفِي الطَّريقِ الآخر : نَفَرٌ مِنَ الْإِبَاضِيَّةِ" - [طائفة من الخوارج] - ، فَقَالُوا : أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ : ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[ -{المائدة: 44}- أَحَقٌّ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[ -{المائدة: 45}- أَحَقٌّ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[ -{المائدة: 47}- أَحَقٌّ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَقَالُوا : يَا أَبَا مِجْلَزٍ ! فَيَحْكُمُ هَؤُلَاءِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ؟ قَالَ : هُوَ دِينُهُمُ الَّذِي يَدِينُونَ بِهِ , وَبِهِ يَقُولُونَ , وَإِلَيْهِ يَدْعُونَ - [يعني الأمراء] - , فَإِنْ هُمْ تَرَكُوا شَيْئاً مِنْهُ عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَصَابُوا ذَنْباً . فَقَالُوا : لَا وَاللَّهِ , وَلَكِنَّكَ تَفْرَقُ .
قَالَ : أَنْتُمْ أَوْلَى بِهَذَا مِنِّي ! لَا أَرَى ، وَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ هَذَا وَلَا تَحَرَّجُونَ , وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَهْلِ الشِّرْكِ , أَوْ نَحْواً مِنْ هَذَا" . وإسناده صحيح .
     وقد اختلف العلماء في تفسير الكفر في الآية الأولى على خمسة أقوال ساقها ابن جرير (10 /346-357) {(6 /592-597)} بأسانيده إلى قائليها ، ثم ختم ذلك بقوله (10 - 358) {(6 /597) بعد آخر أثر (12068) في المسألة} :
       "وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ , قَوْلُ مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ , لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْآيَاتِ فَفِيهِمْ نَزَلَتْ ، وَهُمُ الْمَعْنِيُّونَ بِهَا , وَهَذِهِ الْآيَاتُ سِيَاقُ الْخَبَرِ عَنْهُمْ ، , فَكَوْنُهَا خَبَراً عَنْهُمْ أَوْلَى .
      فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ عَمَّ بِالْخَبَرِ بِذَلِكَ عَنْ جَمِيعِ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ , فَكَيْفَ جَعَلْتَهُ خَاصّاً ؟
      قِيلَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَمَّمَ بِالْخَبَرِ بِذَلِكَ عَنْ قَوْمٍ كَانُوا بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فِي كِتَابِهِ جَاحِدِينَ ، فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ بِتَرْكِهِمُ الْحُكْمَ - عَلَى سَبِيلِ مَا تَرَكُوهُ – كَافِرُونَ . وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ جَاحِداً بِهِ ؛ هُوَ بِاللَّهِ كَافِرٌ , كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ؛ لِأَنَّهُ بِجُحُودِهِ حُكْمَ اللَّهُ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ ؛ نَظِيرَ جُحُودِهِ نُبُوَّةَ نَبِيِّهِ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ نَبِيُّ" .
     وجملة القول : أن الآية نزلت في اليهود الجاحدين لِما أنزل الله ، فمن شاركهم في الجحد ؛ فهو كافر كفراً اعتقادياً ، ومن لم يشاركهم في الجحد ؛ فكفره عملي لأنه عمل عملهم ، فهو بذلك مجرم آثم ، ولكن لا يخرج بذلك عن الملة كما تقدم عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وقد شرح هذا وزاده بياناً الإمام الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلام في "كتاب الإيمان" "باب الخروج من الإيمان بالمعـاصي" (ص 84-97 بتحقيقي) ، فليراجعه من شاء المزيد من التحقيق .
       وبعد كتابه ما سبق ، رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول في تفسير آية الحكم المتقدمة في "مجموع الفتاوى" (3 /268) :
"أَيْ هُوَ الْمُسْتَحِلُّ لِلْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ" .
    ثم ذكر (7 /254) أن الإمام أحمد سئل عن الكفر المذكور فيها ؟ فَقَالَ :
"كُفْرٌ لَا يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ([2]) ، مِثْلَ الْإِيمَانِ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ ، فَكَذَلِكَ الْكُفْرُ حَتَّى يَجِيءَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ" .
     وقال (7 / 312 ) :
       "وَإِذَا كَانَ مِنْ قَوْلِ السَّلَفِ أنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ فِيهِ إيمَانٌ وَنِفَاقٌ ، فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ أنَّهُ يَكُونُ فِيهِ إيمَانٌ وَكُفْرٌ ؛ لَيْسَ هُوَ الْكُفْرُ الَّذِي يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابُهُ فِي قَوْله تَعَالَى ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[ ، قَالُوا : كُفْراً لَا يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ . وَقَدْ اتَّبَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ" .
 
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قوله: ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[ ، ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[ ، ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[ ، قَالَ : هِيَ فِي الْكُفَّارِ كُلُّهَا ) .
"الصحيحة" (2704) .

 { قَالَ شيخُنا الألباني في "الصحيحة" (6 /الأول/457-458) } :
قلتُ : والحديث دليل صريح في أن المقصود بهذه الآيات الثلاث ؛ الكفار من اليهود والنصارى ؛ وأمثالهم الذين ينكرون الشريعة الإسلامية وأحكامها ، ويلحق بهم كل من شاركهم في ذلك ؛ ولو كان يتظاهر بالإسلام ، حتى ولو أنكر حكماً واحداً منها .
ولكن مما ينبغي التنبه له ، أنه ليس كذلك من لا يحكم بشيء منها مع عدم إنكاره ذلك ، فلا يجوز الحكم على مثله بالكفر وخروجه عن الملة لأنه مؤمن ، غاية ما في الأمر أن يكون كفره كفراً عملياً .
وهذه نقطة هامة في هذه المسألة يغفل عنها كثير من الشباب المتحمس لتحكيم الإسلام ، ولذلك فهم في كثير من الأحيان يقومون بالخروج على الحكام الذين لا يحكمون بالإسلام ، فتقع فتن كثيرة ، وسفك دماء بريئة لمجرد الحماس الذي لم تُعَد له عدته ، والواجب عندي تصفية الإسلام مما ليس منه كالعقائد الباطلة ، والأحكام العاطلة ، والآراء الكاسدة المخالفة للسنة ، وتربية الجيل على هذا الإسلام المصفى . والله المستعان .
وقد مضى الكلام على هذه المسألة الهامة بشيء من التفصيل المفيد إن شاء الله تعالى تحت الحديث المتقدم ( 2552 ) .

انتهى الجمع من "الصحيحة" .
 

اختاره ونقله /
أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي.
18 / 10 / 1424هـ
 


[1] قَولُه في الحديث : ( فَرَقاً ) : "الفَرَق بِالتَّحْرِيكِ : الخَوْف والفَزَع . يُقَالُ : فَرِقَ يَفْرَقُ فَرَقاً . وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ : "أبِاللهِ تُفَرِّقُنِي ؟" ؛ أَيْ : تُخَوِّفُني" . "النهاية" (3/438) .

[2] في الأصل في "الصحيحة" : "الإيمان" مكان "الْمِلَّة" والتصويب من "الفتاوى" .



الجمعة، 19 أغسطس 2016

العمل الصالح لا يكون صالحاً إلا بثلاثة شروط

 
 
 
العمل الصالح لا يكون صالحاً إلا بثلاثة شروط
 
 
 
قال العلامة المفسر محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي (ت 1393هـ) في تفسير الآية الثانية من سورة الكهف  :
 
 
 
"وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} [الكهف : 2] : بَيَّنَتِ الْمُرَادَ بِهِ آيَاتٌ أُخَرُ ، فَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَكُونُ صَالِحاً إِلَّا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ .
الْأَوَّلُ :
 
أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكُلُّ عَمَلٍ مُخَالِفٍ لِمَا جَاءَ بِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِصَالِحٍ ، بَلْ هُوَ بَاطِلٌ ، قَالَ تَعَالَى : {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} الْآيَةَ [الحشر : 7] ، وَقَالَ : {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء : 10] ، وَقَالَ : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} الْآيَةَ [آل عمران: 31] ، وَقَالَ : {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} الْآيَةَ [الشورى : 21] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .
 
الثَّانِي :
 
أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ مُخْلِصًا فِي عَمَلِهِ لِلَّهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ، قَالَ تَعَالَى : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْآيَةَ [البينة : 5] ، وَقَالَ : قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر : 11 - 15] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .
 
الثَّالِثُ :
 
أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَبْنِيًّا عَلَى أَسَاسِ الْإِيمَانِ وَالْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ كَالسَّقْفِ، وَالْعَقِيدَةَ كَالْأَسَاسِ، قَالَ تَعَالَى : {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} الْآيَةَ [النحل : 97] ، فَجَعَلَ الْإِيمَانَ قَيْدًا فِي ذَلِكَ .
 
 
 
وَبَيَّنَ مَفْهُومَ هَذَا الْقَيْدِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ، كَقَوْلِهِ فِي أَعْمَالِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ :
{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان : 23] .
 
وَقَوْلِهِ : {أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ} الْآيَةَ [النور : 39] .
 
وَقَوْلِهِ : {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ} الْآيَةَ [إبراهيم : 18] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ .
"أضواء البيان" (4 / 12-13) ط. دار عالم الفوائد .
و ط. "الرئاسة العامة لإدارات البحوث والإفتاء" (4 /8-9) السعودية .
 
 
 
وقرّر ذلك أيضاً الشيخ علامة الجنوب زيد بن محمد المدخلي ،
فقال :
 
"لقبول العبادة ثلاث شروط :
 
الصواب والإخلاص وصحة المعتقد .
والصواب : معناه : أن تكون العبادة على مراد الله ومراد رسوله  صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
 
والإخلاص : أن يتوجه العبد بجميع أعماله إلى الله وحده دون سواه رجاء رضاه ورحمته وخشية سخطه وعقوبته" .
 
"سلم الوصول إلى بيان الستة الأصول" (ص 61) تحقيق : فواز المدخلي . ط. المنهاج 1424هـ .
 
 
 
وقال أيضاً في "أبرز الفوائد من الأربع القواعد" (ص 27) تحقيق : فواز ، ط. المنهاج 1424هـ :
"أسباب القبول – يعني للعمل – وهي :
 
1- الصواب فيه .
 
2- والإخلاص في العمل .
 
3- صحة المعتقد .
 
وكتب الشيخ فواز المدخلي في الحاشية قائلاً : قال شيخنا زيد المدخلي – حفظه الله - :
 
"زيادة الشرط الثالث زيادة في الإيضاح والتفصيل وإلا فهو يدخل في الشرطين السابقين وله صور منها :
 
أنّ الرجل قد يكون قبورياً وثنياً ولكنه قد يأتي بالصلاة والعبادة على وجهها الصحيح – أي صواباً – وهو في نفس الحال مخلصاً العمل لله ولكنه فاسد الاعتقاد ، أي : قبوري وثني .
 
قال : وهذا له وجهة من الصحة وهو ما اخترته" . انتهى .
 
 
 
 
 
نقله /
 
أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي
 
8/ 3 /1430هـ.
 
 
 
 

الثلاثاء، 9 أغسطس 2016

تقريب المعنى في الشؤم والطيرة والعدوى







تقريب المعنى في الشؤم والطيرة والعدوى


 



{ ليس الشؤم في شيء }


 


قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :


( إِنْ يَكُ مِنَ الشُّؤْمِ شَيْءٌ حَقٌّ ؛ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالدَّارِ ) .


"الصحيحة" (442) .


 


قَالَ شيخُنا الألباني في "الصحيحة" (1/الثاني/804) :


والحديث يعطي بمفهومه أنْ لا شؤم في شيء ؛ لأن معناه : لو كان الشؤم ثابتاً في شيء ما ؛ لكان في هذه الثلاثة ، لكنه ليس ثابتاً في شيء أصلاً ، وعليه ؛ فما في بعض الروايات بلفظ : (الشُّؤْمُ فِي ثَلاَثَةٍ) ، أو : (إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلاَثَةٍ) ؛ فهو اختصار وتصرُّف من بعض الرواة ، والله أعلم .


 


{لا شؤم في الإسلام }


 


قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :


( لاَ عَدْوَى ، وَلاَ طِيَرَةَ ، إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلاَثَةٍ : الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالدَّارِ ) .


"الصحيحة" (788) .


قَالَ شيخُنا الألباني في "الصحيحة" (2 /416) :


وانظر الحديث الآتي (799) {(إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ ؛ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ)} ، والماضي (442) ، والذي بعد هذا {(789) ( لاَ عَدْوَى ، وَلاَ طِيَرَةَ ، وَلاَ هَامَ ، وَإِنْ تَكُنِ الطِّيَرَةُ فِي شَىيْءٍ ؛ فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ ؛ فَلاَ تَهْبِطُوا ، وَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا ؛ فَلاَ تَفِرُّوا مِنْهُ)} .


 


 


في الشؤم


 


قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :   ( الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ ) .


"الصحيحة" (1898) .


 


قَالَ شيخُنا الألباني في "الصحيحة"  (4 /522) } :     


وقد جاء حديث صريح في نفي الشؤم ، وإثبات اليُمْن في الثلاث المذكورة ، وهو المناسب لعموم الأحاديث التي تنفي الطيرة ، فراجع الحديث المشار إليه فيما يأتي برقم (1930) .


وأحاديث الطيرة تقدمت بألفاظ مختلفة و فوائد متعددة (رقم 777 و 780-789) .


 


 


{ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يتشاءمون من المرأة }


 


قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :


 (  كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ : الطِّيَرَةُ مِنَ الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ ) .


"الصحيحة" (993) .


 


{ مناسبة الحديث } :


عَنْ أَبِى حَسَّانَ قَالَ :


"دَخَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ عَلَى عَائِشَةَ ؛ فَأخبراهَا أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : (فَذَكَرَهُ) . فَغَضِبَتْ ، فَطَارَتْ شِقَّةٌ مِنْهَا فِى السَّمَاءِ وَشِقَّةٌ فِي الأَرْضِ ، وَقَالَتْ :


وَالَّذِي أَنْزَلَ الْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ مَا قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ ؛ إِنَّمَا قَالَ : (كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَطَيَّرُونَ مِنْ ذَلِكَ) .


 


قَالَ شيخُنا الألباني في "الصحيحة" (2 / 689 - 693) :


وفي رواية لأحمد :


وَلَكِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ :


(كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ : الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ ) . ثُمَّ قَرَأَتْ عَائِشَةُ : ]مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ[ إِلَى آخِرِ الآيَةِ" .


وقد وجدت لحديث الترجمة شاهداً من حديث ابن عمر مرفوعاً بلفظ : (الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ) .


وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم ، لكنه شاذ بهذا الاختصار ، فقد خالفه سليمان بن بلال : حدثني عتبة بن مسلم بلفظ :


(إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ ؛ فَفِي الْفَرَسِ ..) الحديث .

أخرجه مسلم (7 /34) {(2225)} ، و الطحاوي {"شرح معاني الآثار" (4 /313 - 314)}.




قلت : فزادا في أوله . (إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ) . وهي زيادة من ثقة فيجب قبولها ، لاسيما وقد جاءت من طريق أخرى عن ابن عمر عند البخاري و لها شواهد كثيرة منها عن سهل بن سعد وجابر وقد خرجتها فيما تقدم (799) . و منها عن سعد بن أبي وقاص مرفوعاً بلفظ :


(لَا طِيَرَةَ , وَإِنْ كَانَتِ الطِّيَرَةُ فِي شَيْءٍ ؛ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ) . أخرجه الطحاوي  مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنِ الْحَضْرَمِيِّ بْنِ لَاحِقٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ حَدَّثَهُ قَالَ :


      "سَأَلْتُ سَعْداً {ابْنَ مَالِكٍ} عَنِ الطِّيَرَةِ ؟ فَانْتَهَرَنِي "زَادَ فِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ :  مَنْ حَدَّثَكَ ؟ فَكَرِهْتُ أَنْ أُحَدِّثَهُ" وَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " (فَذَكَرَهُ) .


وجملة القول : أن الحديث اختلف الرواة في لفظه ، فمنهم من رواه كما في الترجمة ، ومنهم من زاد عليه في أوله ما يدل على أنه لا طيرة أو شؤم "وهما بمعنى واحد كما قال العلماء" ، وعليه الأكثرون ، فروايتهم هي الراجحة ؛ لأن معهم زيادة علم فيجب قبولها ، وقد تأيد ذلك بحديث عائشة الذي فيه أن أهل الجاهلية هم الذين كانوا يقولون ذلك ، وقد قال الزركشي في "الإجابة" (ص 128) :


"قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّة : ورِوَايَة عَائِشَة فِي هَذَا أشبه بالصَّوابِ إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى - "يعنى من حديث أبي هريرة" – لـمُوَافِقته نَهْيه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَن الطيرة نَهْياً عامّاً ، وكراهتها وَترغيبه فِي تركها بِقَوْلِه :


(يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وهم الَّذِيْنَ لا يَكْتَوُونَ -"الأصل : لا يكنزون"- ، وَلَا يسترقون ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)" .


قلت : و قد أشار بقوله : "بعض الأئمة" إلى الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى ؛ فقد ذهب إلى ترجيح حديث عائشة المذكور في "مشكل الآثار"{(2 /250)} ، ونحوه في "شرح المعاني" {(4 /313 - 314)} ، و به ختم بحثه في هذا الموضوع ، وقال في حديث سعد وما في معناه :


   "فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ , مَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ مِنْ الحَدِيثِ ، - "يعني : حديث ابن عمر برواية عتبة بن مسلم وما في معناه عن ابن عمر {بلفظ : (إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ [إِنَّمَا الشُّؤْمُ] فِي ثَلَاثَةٍ , فِي الْمَرْأَةِ , وَالْفَرَسِ , وَالدَّارِ)}"- ، وذلك أن سعداً انتهر سعيداً حين ذكر له الطيرة ، وأخبره عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : لا طيرة . ثم قال : إن تكن الطيرة في شيء ففي المرأة والفرس والدار . فلم يخبر أنها فيهن ، وإنما قال : إن تكن في شيء ففيهن ؛ أي : لو كانت تكون في شيء لكانت في هؤلاء ، فإذ لم تكن في هؤلاء الثلاث فليست في شيء" .


 


نفي الشؤم وإثبات اليُمن


 


قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :


( لاَ شُؤْمَ ، وَقَدْ يَكُونُ الْيُمْنُ فِي ثَلاَثَةٍ : فِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالدَّارِ ) .


"الصحيحة" (1930) .


 


قَالَ شيخُنا الألباني في "الصحيحة" (4 /565) :     


والحديث صريح في نفي الشؤم ، فهو شاهد قوي للأحاديث التي جاءت بلفظ : (إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ ..) ونحوه خلافاً للفظ الآخر : (الشُّؤْمُ فِي ثَلاَثٍ ...) . فهو بهذا اللفظ شاذ مرجوح كما سبق بيانه تحت الحديث (993) .


 


{ الأخذ بالأسباب ؛ من التوكل  }


 


قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :    ( لاَ يُورَدُ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ ) . 


"الصحيحة" (971) .


 


   قَالَ شيخُنا الألباني في "الصحيحة" (2 /659 - 660) :


وفي معناه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمجذوم :


( إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ ) وسيأتي برقم ( 1968 ) .


 


 ( الْمُمْرِضُ ) : هو الذي له إبل مرض .


وِ ( الْمُصِحِّ ) من له إبل صحاح .


وأعلم أنه لا تعارض بين هذين الحديثين ، وبين أحاديث (لاَ عَدْوَى ...) المتقدمة برقم (781) {(.. وَاتَّقُوا الْمَجْذُومَ كَمَا يُتَّقَى الْأَسَدُ)} و (789) {(.. وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلا تَهْبِطُوا وَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَفِرُّوا مِنْهُ)} ؛ لأن المقصود بهما إثبات العدوى ، وأنها تنتقل بإذن الله تعالى من المريض إلى السليم ، والمراد بتلك الأحاديث نفي العدوى التي كان أهل الجاهلية يعتقدونها ، وهي انتقالها بنفسها دون النظر إلى مشيئة الله في ذلك ؛ كما يرشد إليه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للأعرابي : (فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ ؟!) . فقد لفت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نظر الأعرابي بهذا القول الكريم إلى المسبب الأول ؛ ألا وهو الله عَزَّ وَجَلَّ ، ولم ينكر عليه قوله : (مَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِى الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ ؛ فَيُخَالِطُهَا الأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا) ، بل إنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقره على هذا الذي كان يشاهده ، وإنما أنكر عليه وقوفه عند هذا الظاهر فقط بقوله له : (فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ ؟!) .


       وجملة القول : إن الحديثين يثبتان العدوى ، وهي ثابتة تجربة ومشاهدة . والأحاديث الأخرى لا تنفيها ، وإنما تنفي عدوى مقرونة بالغفلة عن الله تعالى الخالق لها . وما أشبه اليوم بالبارحة ! فإن الأطباء الأوروبيين في أشد الغفلة عنه تعالى ؛ لشركهم وضلالهم ، وإيمانهم بالعدوى على الطريقة الجاهلية ! فلهؤلاء يقال : "فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ ؟!" .


    فأما المؤمن الغافل عن الأخذ بالأسباب ؛  فهو يُذَكَّر بها ، ويقال له كما في حديث الترجمة : (لاَ يُورَدُ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ) أخذاً بالأسباب التي خلقها الله تعالى ، وكما في بعض الأحاديث : (وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ) .


    هذا هو الذي يظهر لي من الجمع بين هذه الأخبار ، وقد قيل غير ذلك مما هو مذكور في "الفتح" -{المجلد العاشر}- ، وغيره . والله أعلم .
انتهى من "الصحيحة" .


 


قلتُ :
"الجُذام" كما يقول أهل الاختصاص : هو داء يصيب الجلد والأعصاب الطَّرفية ، يسبب فقدان دفاعات الجسم – المناعة- ، ويفقد المصاب به القدرة على الشعور بالألم ، وبالتالي يفقد أجزاء من الأطراف بسبب تكرر الإصابات ، وقد تتساقط منه الأطراف . أعاذنا الله منه . والله أعلم .


 


 


إثبات العدوى


 


قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :    ( إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ ) .


"الصحيحة" (1968) .


 


 { مناسبة الحديث } :


عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ {الثَّقَفِيُّ} رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :


"كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (فَذَكَرَهُ)" .


وِفِي لَفْظٍ :


"أَنَّ مَجْذُوماً أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُبَايِعَهُ ، فَأَتَيْتُهُ فَذَكَرْتُ لَهُ ، فَقَالَ : ( ائْتِهِ ؛ فَأَعْلِمْهُ أَنِّي قَدْ بَايَعْتُهُ ، فَلْيَرْجِعْ )" .


 


قَالَ شيخُنا الألباني في "الصحيحة" (4 /614) :


قلت : وفي الحديث إثبات العدوى والاحتراز منها ، فلا منافاة بينه وبين حديث : (لاَ عَدْوَى) لأن المراد به نفي ما كانت الجاهلية تعتقده أن العاهة تُعدي بطبعها لا بفعل الله تعالى وقدره ، فهذا هو المنفي ، ولم ينف حصول الضرر عند ذلك بقدر الله ومشيئته ، وهذا ما أثبته حديث الترجمة ، وأرشد فيه إلى الله الابتعاد عما قد يحصل الضرر منه بقدر الله وفعله .


 


 


 


أصل الحَجْرَ الصحي ، وأنّ الطاعونَ عذابٌ لقوم ،

وشهادة لآخرين


 


قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :


( إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ فِي أَرْضٍ ؛ فَلاَ تَدْخُلُوهَا ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا ؛ فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا [فِرَاراً مِنْهُ] .


وفي رواية :


إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ أَوِ السَّقَمَ رِجْزٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ ، [ أَوْ طَائِفَةٍ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ] ، ثُمَّ بَقِيَ بَعْدُ بِالأَرْضِ ، فَيَذْهَبُ الْمَرَّةَ ، وَيَأْتِي الأُخْرَى ، فَمَنْ سَمِعَ بِهِ فِي أَرْضٍ ؛ فَلا يَقْدُمَنَّ عَلَيْهِ ، وَمَنْ وَقَعَ بِأَرْضٍ وَهُوَ بِهَا ؛ فَلا يُخْرِجَنَّهُ الْفِرَارُ مِنْهُ ) .


"الصحيحة" (2931) .


 


وزاد الحميدي :


"قَالَ عَمْرٌو بْنُ دِينَارٍ :


"فَلَعَلَّهُ لِقَوْمٍ عَذَابٌ أَوْ رِجْزٌ وَلِقَوْمٍ شَهَادَةٌ" . قَالَ سُفْيَانُ : "فَأَعْجَبَنِي قَوْلُ عَمْرٍو هَذَا" ." .


 


 


قَالَ شيخُنا الألباني في "الصحيحة" (6/ الثاني /1040-1042) } :


حديث صحيح غاية ، جاء من حديث أسامة بن زيد ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، وغيرهم .


أما حديث عبد الرحمن بن عوف ، فيرويه عنه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَغَيره :


أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِـ"سَرْغَ" ؛ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ : أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ ، فَأَخْبَرُوهُ : أَنَّ الْوَبَأَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّامِ .


قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ :


ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ، فَدَعَاهُمْ ، فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَأَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ ، فَاخْتَلَفُوا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ ، وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ ؛ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَإِ . فَقَالَ عُمَرُ : ارْتَفِعُوا عَنِّي . ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي الْأَنْصَارَ . فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ ؛ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ ، فَقَالَ : ارْتَفِعُوا عَنِّي . ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ . فَدَعَوْتُهُمْ ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمُ رَجُلَانِ ، فَقَالُوا : نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ ، وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَإِ .


فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ : إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ . فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : أَفِرَاراً مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟! فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ! نَعَمْ ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِياً لَهُ عُدْوَتَانِ ؛ إِحْدَاهُمَا مُخْصِبَةٌ ، وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ؟


فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - وَكَانَ غَائِباً فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ - فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْماً ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ : (فَذَكَرَهُ)" بالرواية الأولى .


 


( فائدة ) : قول عَمْرو بْن دِينَارٍ  المتقدم في الطاعون : ". . . وَلِقَوْمٍ شَهَادَةٌ" ، إنما يعني به المؤمنين الصابرين عليه ، وقد جاءت فيه أحاديث صحيحة كقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :


( الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ) .


رواه الشيخان وغيرهما ، وهو مخرج في "أحكام الجنائز" (ص 52 / 1)  وفي الباب أحاديث أخرى ، فراجعها إن شئت هناك (ص 52 / 55)  .


انتهى من الصحيحة" .


 
...................



قلتُ : ( المفردات ) :


قَوْلُه : ( الطَّاعُونُ ) قَالَ اِبْن الْأَثِير : "الطَّاعُون : الْمَرَض الْعَامّ والوَباء الَّذِي يَفْسُدُ لَهُ الهَواءُ فتفسُدُ بِهِ الأمْزِجَة والأبْدَان" . "النِّهَايَة" (3 /127) .


وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ : هُوَ مَرَض يَعُمّ الْكَثِير مِنْ النَّاس فِي جِهَة مِنْ الْجِهَات ، بِخِلَافِ الْمُعْتَاد مِنْ أَمْرَاض النَّاس ، وَيَكُون مَرَضُهمْ وَاحِداً بِخِلَافِ بَقِيَّة الْأَوْقَات فَتَكُون الْأَمْرَاض مُخْتَلِفَة .


وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ: الطَّاعُون : الْوَجْع الْغَالِب الَّذِي يُطْفِئ الرُّوح كَالذَّبْحَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعُمُومِ مُصَابه وَسُرْعَة قَتْله .


وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ساق كَلَام أَهْل اللُّغَة وَأَهْل الْفِقْه وَالْأَطِبَّاء فِي تَعْرِيف "لطَّاعُون" : "وَالْحَاصِل أَنَّ حَقِيقَته وَرَم يَنْشَأ عَنْ هَيَجَان الدَّم أَوْ اِنْصِبَاب الدَّم إِلَى عُضْو فَيُفْسِدهُ ، وَأَنَّ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرَاض الْعَامَّة النَّاشِئَة عَنْ فَسَاد الْهَوَاء يُسَمَّى طَاعُوناً بِطَرِيقِ الْمَجَاز لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عُمُوم الْمَرَض بِهِ أَوْ كَثْرَة الْمَوْت ، وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ الطَّاعُون يُغَايِر الْوَبَاء مَا فِي الأَحَادِيث : ( أَنَّ الطَّاعُون لَا يَدْخُل الْمَدِينَة ) وَفِي حَدِيث عَائِشَة : ( قَدِمْنَا الْمَدِينَة وَهِيَ أَوْبَأ أَرْض اللَّه - وَفِيهِ قَوْل بِلَال - أَخْرَجُونَا إِلَى أَرْض الْوَبَاء ) وَمِنْ حَدِيث أَبِي الْأَسْوَد : ( قَدِمْت الْمَدِينَة فِي خِلَافَة عُمَر وَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتاً ذَرِيعاً ) وَفِي حَدِيث الْعُرَنِيِّينَ : ( أَنَّهُمْ اِسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَة ) ، وَفِي لَفْظ : ( أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّهَا أَرْض وَبِئَة ) ، فَكُلّ ذَلِكَ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْوَبَاء كَانَ مَوْجُوداً بِالْمَدِينَةِ . وَقَدْ صَرَّحَ الْحَدِيث الْأَوَّل بِأَنَّ الطَّاعُون لَا يَدْخُلهَا ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَبَاء غَيْر الطَّاعُون .


وَاَلَّذِي يَفْتَرِق بِهِ الطَّاعُون مِنْ الْوَبَاء أَصْل الطَّاعُون الَّذِي لَمْ يَتَعَرَّض لَهُ الْأَطِبَّاء وَلَا أَكْثَر مَنْ تَكَلَّمَ فِي تَعْرِيف الطَّاعُون ؛ وَهُوَ كَوْنه مِنْ طَعْن الْجِنّ ، وَلَا يُخَالِف ذَلِكَ مَا قَالَ الْأَطِبَّاء مِنْ كَوْن الطَّاعُون يَنْشَأ عَنْ هَيَجَان الدَّم أَوْ اِنْصِبَابه لِأَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ يَحْدُث عَنْ الطَّعْنَة الْبَاطِنَة فَتَحْدُث مِنْهَا الْمَادَّة السُّمِّيَّة وَيَهِيج الدَّم بِسَبَبِهَا أَوْ يَنْصَبّ وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَرَّض الْأَطِبَّاء لِكَوْنِهِ مِنْ طَعْن الْجِنّ لِأَنَّهُ أَمْر لَا يُدْرَك بِالْعَقْلِ ، وَإِنَّمَا يُعْرَف مِنْ الشَّارِع فَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ عَلَى مَا اِقْتَضَتْهُ قَوَاعِدهمْ .


وَقَالَ الْكَلَابَاذِيّ فِي "مَعَانِي الْأَخْبَار" : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الطَّاعُون عَلَى قِسْمَيْنِ : قِسْم مُحَصَّل مِنْ غَلَبَة بَعْض الْأَخْلَاط مِنْ دَم أَوْ صَفْرَاء مُحْتَرِقَة أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ غَيْر سَبَب يَكُون مِنْ الْجِنّ ، وَقِسْم يَكُون مِنْ وَخْز الْجِنّ كَمَا تَقَع الْجِرَاحَات مِنْ الْقُرُوح الَّتِي تَخْرُج فِي الْبَدَن مِنْ غَلَبَة بَعْض الْأَخْلَاط وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ طَعْن ، وَتَقَع الْجِرَاحَات أَيْضاً مِنْ طَعْن الْإِنْس . اِنْتَهَى .


وَمِمَّا يُؤَيِّد أَنَّ الطَّاعُون إِنَّمَا يَكُون مِنْ طَعْن الْجِنّ وُقُوعه غَالِباً فِي أَعْدَل الْفُصُول وَفِي أَصَحّ الْبِلَاد هَوَاء وَأَطْيَبهَا مَاء ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِسَبَبِ فَسَاد الْهَوَاء لَدَامَ فِي الْأَرْض لِأَنَّ الْهَوَاء يَفْسُد تَارَة وَيَصِحّ أُخْرَى ، وَهَذَا يَذْهَب أَحْيَاناً وَيَجِيء أَحْيَاناً عَلَى غَيْر قِيَاس وَلَا تَجْرِبَة ، فَرُبَّمَا جَاءَ سَنَة عَلَى سَنَة ، وَرُبَّمَا أَبْطَأَ سِنِينَ ، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَعَمَّ النَّاس وَالْحَيَوَان ، وَالْمَوْجُود بِالْمُشَاهَدَةِ أَنَّهُ يُصِيب الْكَثِير وَلَا يُصِيب مَنْ هُمْ بِجَانِبِهِمْ مِمَّا هُمْ فِي مِثْل مِزَاجهمْ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَعَمَّ جَمِيع الْبَدَن ، وَهَذَا يَخْتَصّ بِمَوْضِعٍ مِنْ الْجَسَد وَلَا يَتَجَاوَزهُ ، وَلِأَنَّ فَسَاد الْهَوَاء يَقْتَضِي تَغَيُّر الْأَخْلَاط وَكَثْرَة الْأَسْقَام ، وَهَذَا فِي الْغَالِب يَقْتُل بِلَا مَرَض ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ طَعْن الْجِنّ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ : مِنْهَا حَدِيث أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ ( فَنَاء أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُون ) . قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه ! هَذَا الطَّعْن قَدْ عَرَفْنَاهُ ، فَمَا الطَّاعُون ؟ قَالَ : ( وَخْز أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنّ ، وَفِي كُلّ شَهَادَة ) . أَخْرَجَهُ أَحْمَد . انتهى من "الفتح" (10 /180 - 182) .



وَقَوْلُهُ : ( الْوَجَعَ ) : الْمَرَضُ . وَالْجَمْعُ : أَوْجَاعٌ . "الصحاح" (و ج ع) .

وَ ( السَّقَم )  وَالسُّقْمُ : المرضُ . "النهاية" (2 /380) .

وَ ( رِجْزٌ ) : عَذَاب .



وَ ( سَرَغ ) هِيَ بفتح أوّله ، وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا ، بعده غين معجمة : مدينة بالشام ، افتتحها أبو عبيدة بن الجرّاح ، هي واليرموك والجابية والرّمادة متّصلة . جاء أنها قريةٌ بِوَادِي تَبُوكَ مِنْ طَرِيقِ الشَّام . أوّل الحجاز وآخر الشام بين المغيثة وتبوك من منازل حاجّ الشام . وَهِيَ عَلَى ثَلَاثِ عَشْرة مَرْحَلَةً مِنَ الْمَدِينَةِ . "معجم ما استعجم" (3 /735) ، و "النهاية" (2 /361) ، و "معجم البلدان" (3 / 211 - 212) .



وَ ( أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ ) "الشَّامُ خَمْسةُ أَجْنَاد : فِلَسْطين ، والأُرْدُنُّ ، ودِمشْق ، وحِمْصُ ، وقِنَّسْرِينُ ، كلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَانَ يُسَمَّى جُنْداً ؛ أَيِ : الـمُقِيمِين بِهَا مِنَ المسْلِمين الـمُقَاتِلين . "النهاية" (1 /306) .



وَ ( الْوَبَأَ ) : الطَّاعُونُ بِالْقَصْرِ وَالْمَدِّ وَالْهَمْزِ . وَقِيلَ : هُوَ كلُّ مَرَضٍ عامٍّ . وجمعُ الممدود : "أَوْبِيةٌ" . وَجَمْعُ الْمَقْصُورِ : "أَوْباءٌ" . "اللسان" (1 /189) . وَ ( لَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ ) ؛ أي : لا تجعلهم يُقدمون ويُقبلون على المرض .



وَ ( ارْتَفِعُوا ) ؛ أيْ : قوموا وأخرجُوا عني .

وَ ( مَشْيَخَةِ ) "ضَبطه بَعضهم بِوَجْهَيْنِ :
الأول : بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف .


وَالثَّانِي : بِفَتْح الْمِيم وَكسر الشين وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ؛ جمع : شيخ . قلت : الَّذِي قَالَه أهل اللُّغَة : هُوَ الْوَجْه الثَّانِي . وَقَالَ الْجَوْهَرِي : جمع الشَّيْخ : شُيُوخ وأشياخ وشِيخة وشِيخان ومشيخة ومشايخ ، وَالْمَرْأَة شَيْخة" .
قاله العيني "عمدة القاري" (21 /258) .



وَ ( مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ ) ؛ أَي : "الَّذين هَاجرُوا إِلَى الْمَدِينَة عَام الْفَتْح ، أَو الـمُرَاد : مسلمة الْفَتْح ، أَو أطلق على من تحول إِلَى الْمَدِينَة بعد فتح مَكَّة مُهَاجرا صُورَة وَأطلق ذَلِك عَلَيْهِم احْتِرَازًا عَن غَيرهم من مشيخة قُرَيْش مِمَّن أَقَامَ بِمَكَّة وَلم يُهَاجر أصلا" . قاله العيني .



وَ ( مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ ) "بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة ؛ أَي : مُسَافر فِي الصَّباح رَاكِباً على ظهر الرَّاحِلَة رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة" . "عمدة القاري" .



(فائدة) :
قال العيني : فَإِن قلتَ : مَا الْفرق بَين الْقَضَاء وَالْقدر ؟
قلتُ : (الْقَضَاء) : عبارَة عَن الْأَمر الْكُلِّي الإجمالي الَّذِي حكم الله بِهِ فِي الْأَزَل .
وَ(الْقدر) : عبارَة عَن جزئيات ذَلِك الْكُلِّي ومفصلات ذَلِك الْمُجْمل الَّتِي حكم الله بوقوعها وَاحِداً بعد وَاحِد فِي الْإِنْزَال . قَالُوا : وَهُوَ الـمُرَاد بقوله تَعَالَى : ]وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [ . [الْحجر: 21] .



وَ ( عُدْوَتَانِ ) "بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَكسرهَا ؛ يَعْنِي : طرفان . و"العدوة" : هُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع من الْوَادي وَهُوَ شاطئه" . "عمدة القاري" .


 


 


 


جمعه /


أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .


17 / 7 / 1424هـ